عندما بدأ الاجتماع التحضيري لمؤتمر الوفاق الوطني العراقي في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة، لم يتوقع أكثر المتابعين لما يحدث في العراق تفاؤلا، أن يحقق هذا الاجتماع أي نتائج ايجابية، بل ذهبت أكثر التوقعات إلى أنه سيفاقم الخلافات ويضاعفها، لكن ما حدث خلال الأيام الثلاثة التي استغرقها الاجتماع، وما انتهى إليه من نتائج إيجابية تضمنها البيان الختامي، أكد أن فرص التوصل إلى وفاق عراقي حقيقي، يزيل أسباب الاحتقان ويوحد الجهود ويوقف نزيف الدم، ليست مستحيلة بل ممكنة، عندما تخلص النوايا ويتحرك الجميع بعزيمة قوية في اتجاه تحقيق حلم العراق الواحد الآمن المستقر·· فالبداية المحتقنة للاجتماع التحضيري والمساجلات الكلامية التي لم تخل من حدة، لم تقلل من أهمية اللقاء، ولم تؤثر على نتائجه التي جاءت مفاجئة لكل المراقبين، والتي أكدت أن المشاكل السياسية في العراق وتداعياتها الأمنية ليست مستعصية على الحل·
والقراءة المتأنية لكل ما حدث في الاجتماع التحضيري ولبيانه الختامي تؤكد أن أولوية قصوى يجب أن تعطى إلى ''الالتزام بوحدة العراق وسيادته وحريته واستقلاله وعدم السماح بالتدخل في شؤونه الداخلية واحترام إرادة الشعب العراقي وخياراته الديمقراطية في إطار التعددية ونظام اتحادي وحقه في تقرير مستقبله بنفسه''، كما تؤكد أن ممثلي الأطياف العراقية أصبحوا يدركون أهمية الوفاق كسبيل وحيد إلى إنهاء الأزمة الطاحنة على مختلف المستويات·
ومن الملاحظ أن تلك العبارات المهمة الواردة في البيان الختامي، الذي حفل بالكثير من البوادر المشجعة، سبقتها ترجمة عملية لمعناها قبل صدور البيان، عبر اللقاء غير المسبوق بين رئيس الوزراء العراقي إبراهيم الجعفري وبين الأمين العام لهيئة علماء المسلمين حارث الضاري، وما أعقبه من تصريحات للجعفري أكد فيها أن ''مصالحة تمت بين الكثير من العناصر''، وأنه ''لن يحدث إقصاء لأحد'' في العملية السياسية العراقية· وعلى التوازي أهدى الرئيس العراقي جلال الطالباني الاجتماع التحضيري مفاجأة أخرى تكرس مفهوم المصالحة، حين أكد أنه مستعد للتحدث مع المسلحين المعارضين لحكومته إذا أرادوا ذلك وأنه يرحب بلقائهم ولا يرفض اللقاء مع أي عراقي، وهو تحول نوعي كبير في الخطاب السياسي الرسمي في العراق يعكس رغبة حقيقية في تضميد الجراح وتمهيد كل السبل أمام إخراج العراق من أزمته المؤلمة·
لقد حاول الإرهاب إشعال نار الفتنة الطائفية وتمكن من إشاعة أجواء الخوف واليأس بين العراقيين عبر عمليات دامية شديدة القسوة، معتمدا على مخاوف بعض العراقيين من المستقبل ومن احتمال استهدافهم عندما يتحقق قدر من الاستقرار أو الهدوء، لكن اجتماع القاهرة استطاع تبديد بعض المخاوف، ونجح في تأكيد الحقيقة البديهية وهي أن ''العراق لكل العراقيين''، بقدر ما نجح في تقريب وجهات النظر وصولا إلى الاتفاق والتوافق- وليس الإجماع بالضرورة - وبذلك يكون قد وضع بداية النهاية للإرهاب البغيض واللبنة الأولى لإعادة توحيد العراقيين·
والمأمول أن يبدأ كل طرف من الآن العمل على وضع هذا البيان الختامي موضع التنفيذ وصولا إلى الهدف المنشود عراقيا وعربيا·