منذ أكثر من ثلاثة أسابيع وأعمال العنف تعصف بالمدن الفرنسية والضواحي المحيطة بها، حيث تتسابق وسائل الإعلام لإظهار صور السيارات وهياكلها المتفحمة وسط ألسنة اللهب التي أتت على آلاف العربات خلال تلك الفترة الوجيزة، وهو ما كان له وقع كبير ليس فقط داخل فرنسا، بل حتى لدى الرأي العالمي كذلك· وأمام تلك الأزمة التي وضعت فرنسا في موقف حرج للغاية أصبح المسؤولون السياسيون والإعلاميون، بالإضافة إلى المثقفين وعلماء الاجتماع مدعوين لاستنطاق الأحداث الأخيرة ومناقشة تأثيرها على عموم البلد· لكننا أثناء القيام بعملية التحليل واستقراء تفاصيل أعمال العنف علينا أن نحذر من الوقوع في خطأين اثنين يتعين اجتنابهما· أولهما تفادي ذلك الميل التلقائي إلى التهوين من أحداث الشغب واعتبارها مجرد سحابة صيف عابرة لبدت سماء فرنسا لفترة من الوقت قصيرة ثم ستتبدد مع أول شعاع شمس يخترقها؛ إذ سيكون من الخطأ عدم الانتباه إلى ما تعنيه أحداث الشغب من اختلالات عميقة في بنية المجتمع الفرنسي وما تشير إليه من علل بات من غير المجدي إغفالها أو تجاهل وجودها·
وتتمثل أهم تلك المشاكل التي جاءت تلك الأحداث لتكشف النقاب عنها في العجز الواضح الذي أبداه النموذج الفرنسي في إدماج المواطنين المنحدرين من بلدان أخرى، علما بأنه النموذج الذي كثيرا ما نفاخر به أمام العالم· فلاشك أنه طيلة الفترة السابقة ساد جو من التوتر والامتعاض بين فئات عريضة من الشباب الفرنسي لما يعيشونه من تهميش يومي وإقصاء اقتصادي يحول دون استفادتهم مما تتيحه فرنسا من فرص تنعم بها بعض الفئات أخرى· ومع أن مبدأ المساواة يعد ركيزة راسخة من ركائز القيم الجمهورية بجانب الإخاء والعدالة، إلا أنه لم يعد خافيا على أحد انتقائية هذا المبدأ وعد انسحابه على الجميع ما يفرغ تلك القيمة من مضمونها الفعلي، حيث بات مبدأ المساواة غريبا فوق ذات الأرض الذي أنتجته· والنتيجة أن هؤلاء الشباب، أبناء المهاجرين، انزلقوا إلى مستنقع البطالة معانين منها أكثر من غيرهم حيث يتراوح معدلها بينهم ما بين 20 إلى 30% علما بأنها لا تتجاوز 10% بين الشباب الفرنسي الأبيض مع ما رافق ذلك من تراجع أداء التعليم في لعب دوره المحوري لجهة ضمان الترقي الاجتماعي ومعالجة الاختلالات الطبقية· لذا لم يعد من السهل على الشباب المنحدر من إفريقيا أو المغرب العربي الحصول على سكن لائق أو عمل محترم يحفظ لأفراده كرامتهم كمواطنين فرنسيين متساوين في الحقوق والواجبات·
وإذا كانت فرنسا دائما تفخر بإنجازات فريقها الكروي الذي يضم لاعبين من مختلف العرقيات والخلفيات مثل زين الدين زيدان واللاعب ''تيرام''، فإن ذلك لا يعدو كونه الاستثناء وليس القاعدة· ومهما يكن أمر الاندماج الذي تحقق في بعض الميادين كالرياضة، إلا أنه لا يمتد إلى باقي القطاعات حيث ينعدم وجود وزير أو برلماني أو مدير شركة من أصول إفريقية أو مغاربية· ومن المؤسف ألا تتوفر فرنسا على ما يشبه كولن باول أو كوندوليزا رايس في أميركا· ولئن كان القرن العشرون في فرنسا قرن اندماج المهاجرين في نسيج المجتمع، إلا أن ذلك كان يقتصر في الغالب الأعم على المهاجرين الأوروبيين القادمين من بولندا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال في ظل الازدهار الاقتصادي ووفرة فرص العمل· ولم تحل الصعوبات التي واجهها الجيل الأول دون اندماج الجيل الثاني اندماجا كليا في المجتمع والاستفادة من امتيازاته· لكن ما أن بدأت الهجرة تغير منشأها وأصبحت تقتصر على الأفارقة والعرب حتى ساءت الأوضاع وتلاشت فرص العمل وصعب اندماج الجيل الثاني في المجتمع في ظل عجز الدولة عن توفير الخدمات الأساسية قاطعة مع تقاليد الاستيعاب التي كانت تنتهجها مع أبناء المهاجرين الأوروبيين في السابق·
وإذا كان من الخطأ كما ذكرنا سابقا الركون إلى التهوين من أعمال الشغب التي اندلعت في المدن الفرنسية بالنظر إلى التناقضات المزمنة الثاوية في عمق المجتمع الفرنسي، فإنه بالمثل يجب عدم التهويل من تلك الأحداث والمبالغة في رسم تفاصيلها وتحميلها ما لا تحتمل كأن تصور فرنسا وكأنها على شفا حرب أهلية لا تبقي ولا تذر· ومن هذا المنطلق يمكن رصد موقفين ميزا التغطية الإعلامية لأعمال الشغب، حيث لمسنا من خلال التعامل الإعلامي مع الأزمة الفرنسية وجود بعض المنابر الأجنبية التي تضمر غبطة خفية بما لحق بفرنسا· أما الموقف الثاني فيتميز بالانحياز ضد المسلمين، لا سيما بعد لجوء بعض المراقبين والمحللين إلى إسقاط ما تضطرم به منطقة الشرق الأوسط من صراع على فرنسا مثل ما سمعناه في وسائل الإعلام عن ''تمرد المسلمين'' و''انتفاضة الضواحي'' (مع الإبقاء على كلمة ''انتفاضة'' بنطقها العربي)· وبالطبع كانت الخلفية التي حركت ذلك الموقف هي الرغبة في إحراج فرنسا وإظهارها على أنها غير قادرة على التعامل مع أقليتها العربية التي تعيش فوق أرضها· والأدهى من ذلك هو وجود خلفية غير معلنة لدى البعض تسعى إلى تحميل المسلمين ما يجري من عنف في الضواحي الفرنسية وذلك للدعوة إلى