في أحد أيام أكتوبر من عام 2000 وبينما كانت شرارة الانتفاضة الفلسطينية الثانية قد اندلعت للتو، كنت في زيارة إلى القدس حيث توجهت فيها عقب وصولي إلى فندق ''كينج ديفيد'' في ساعة متأخرة من ليلة ذلك اليوم· وكما كتبت في ذلك الوقت، فقد كان الفندق هادئاً ومهجوراً تماماً، حتى ليكاد البوم ينعق في أركانه· وكانت أضواء البهو الرئيسي للفندق مطفأة، مما اضطرني إلى الصراخ في جوف الظلام متسائلاً ''هل من أحد هنا في الدار؟''، فما كان من صاحب الفندق إلا أن رد عليَّ مازحاً بقوله ''لشد ما ألحق بنا العنف الدمار، حتى أننا اضطررنا إلى سرقة مناشف الحمامات من جيراننا''· وإذا كان ذلك هو حال الصناعة الفندقية الإسرائيلية في بدايات اندلاع الانتفاضة، فما التغيير الذي جلبه عليها وقف إطلاق النار وكل التطورات التي أعقبت رحيل عرفات، من انتخاب لخلفه محمود عباس ''أبومازن''، وانسحاب إسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة مؤخراً؟ فالشاهد أن هذه الصناعة قد بدأت بالازدهار والانتعاش مجدداً في القدس·
ومن خلال جولة قريبة لي في شوارع المدينة، شدني ما رأيت في ''مقهى هليل'' من حيوية جديدة، بعد أن كان قد لحق به الدمار والكساد التام، على إثر تعرضه لهجوم انتحاري في سبتمبر من عام ·2003 فقد رأيته بهياً جميلاً، وقد أعيد بناؤه من تحت أنقاض العدوان· فإلى أين ماضٍ أنا بكل هذه التفاصيل، وما الذي أود قوله من خلالها؟ ربما تذكرون أنني لطالما أكثرت من وصف الأمل الشرق أوسطي، بأنه أشبه ما يكون بالأعشاب والنباتات البرية سريعة وسهلة النمو· فكل الذي تحتاجه قطرة ماء وثقب صغير تنسرب عبره من باطن الأرض، ثم دفقة من شعاع الشمس· وما أن تتوفر لها هذه العناصر مجتمعة، حتى تجد طريقها من أي شق من شقوق الأرض، مهما كانت أنقاض الحرب وركام دمارها! وليس من شارة أدل على هذه الحقيقة من انتخاب عمير بيريتس لزعامة حزب ''العمل'' الإسرائيلي الأسبوع الماضي· يذكر أن بيريتس تفوق على منافسه زعيم الحزب السابق شمعون بيريز خلال الانتخابات الداخلية التي أجراها الحزب مؤخراً· وعلى الرغم من أنه لا يجوز تشبيه بيريتس بأنه عشبة من الأعشاب البرية التي وصفتها آنفاً، إلا أن صعود نجمه المفاجئ على هذا النحو، إنما ينبئك بالكثير عن مزاج التفاؤل الحذر الذي يسود هذا البلد· ولكن ما دعوى الحذر بالتفاؤل أصلاً؟ الإجابة أن صعود نجم بيريتس حدث في بلد لم يسبق له مطلقاً أن رشح قائداً من غير أصول أوروبية، لمنصب رئاسة الوزراء، مع العلم بأن بيريتس يهودي ينحدر من أصول مغربية، على الرغم من حقيقة أن المواطنين العرب والمسلمين وغيرهم من المواطنين المنحدرين من أصول شرقية، يشكلون نسبة 50 في المئة من مجموع التعداد السكاني·
وهناك عدة تفسيرات أخرى لهذا المزج بين التفاؤل والحذر، منها أن بيريتس قد نشأ بين ظهراني صفوف حزب العمل، وأنه سوف يشق طريقه إلى رئاسة الوزراء عبر قيادته لكفاح العمال واضراباتهم المهنية، باعتباره قائداً لأهم اتحاد نقابي في إسرائيل -وهو يختلف في ذلك عن كافة رؤساء وزراء بلاده السابقين، الذين صعدوا إلى المنصب إما عن طريق قيادة الجيوش الإسرائيلية في إحدى الحروب والمعارك الكبيرة، أو عبر توليهم منصباً أمنياً قيادياً-· وهناك سبب آخر يتلخص في كون بيريتس حمامة لا تهزم من الحمائم الإسرائيلية المؤمنة بمبدأ مقايضة الأرض بالسلام، وأنه ظل متمسكاً بقناعته هذه، حتى في ظل قيادة إرييل شارون لبلاده، مع كل ما يعرف عن شارون من أنه صقر جارح لا يلين له منقار! وأخيراً هناك سبب مهم إضافي يتمثل في أن بيريتس يعد اشتراكياً ديمقراطياً حديثاً، على رغم صعود نجم الشباب اليافعين الأثرياء المولعين بالتكنولوجيا في سماء إسرائيل كلها، وعلى الرغم من غلبة المديرين الليبراليين التنفيذيين ورجوح كفتهم داخل حزبه حزب ''العمل''· وكما قال لي دان ميردور الوزير الليكودي السابق ''فإنها ستكون ثورة غير مسبوقة، فيما إذا تمكن حزب العمل من تمثيل العمال تمثيلاً حقيقياً في إسرائيل''!
وهكذا أصبح من غير المستبعد أن يعلو نجم سياسي متمرد على المؤسسة الإسرائيلية القائمة إلى هذا الحد، وأن يتولى منصب رئاسة الوزراء خلال الانتخابات التي جرى الإعلان عنها بالأمس، على أن تكون في موعد سابق لنهاية شهر مارس المقبل، في وقت دب فيه الشعور في أوساط الإسرائيليين، بأنه أصبح في وسعهم الاسترخاء قليلاً وتوجيه الجزء الغالب من نشاطهم واهتمامهم إلى العمل والإنتاج الاقتصادي، بدلاً من الحرب· إلى ذلك أضاف سيرفر بلوكر المحلل الاقتصادي الأول بصحيفة ''يديعوت أحرونوت'' الإسرائيلية، أن هناك الكثير الذي يجب أن ينصب الاهتمام عليه هنا، مشيراً إلى أن المجتمع الإسرائيلي يعد بين أكثر المجتمعات التي يسودها الظلم الاجتماعي والاقتصادي، على نطاق العالم كله· واستطرد المحلل الاقتصادي إلى القول إن نسبة 25 في المئة من الإسرائيليين تعيش تحت خط الفقر· أما بالقياس إلى الدول الغربية، فإن إسرائيل تعد الدولة الأعلى نسبة في الفقر، بين الأفراد