ربما يكون الرجل المطلوب الأول في العالم جالسا القرفصاء كما تعودنا رؤيته في الشرائط المسجلة، منزوياً في أحد الكهوف بين الحدود الأفغانية- الباكستانية، أو ممتطياً صهوة جواده يذرع المناطق الممتدة في بلوشستان· لكن أليس من المحتمل أن يكون قد جُرح في إحدى الغارات الأميركية أو لقي حتفه بعد غياب عن المنابر الإعلامية قارب السنة· مهما يكن الأمر، فإن أسامة بن لادن، ذلك الرجل الذي يعتمر العمامة ويحمل البندقية مازال يثير الرعب لدى الغرب، ومازالت كلماته تنضح بالكراهية والوعيد بالانتقام· كل تلك الأوصاف وغيرها ما هي سوى غيض من فيض، حيث يتمادى الإعلام الغربي في وصف أسامة بن لادن دونما إدراك بأنه يسقط في التسطيح المسف ويغفل عن العلاقات المعقدة والمتداخلة التي لا يمكن التقاطها إلا بإرهاف السمع لما يتفوه به زعيم ''القاعدة'' وتحليله· هذا الفهم والتحليل هو ما يسعى إليه الكتاب الذي حرره وقدم له ''بروس لورينس''، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة ''دوك'' البريطانية من خلال التعليق على كتاب يحوي بين صفحاته تصريحات بن لادن· والكتاب لفت الانتباه إلى التسطيح الذي يسقط فيه الإعلام عند تناوله أقوال بن لادن، لكنه ركز على الإشارات المبطنة في أحاديث هذا الرجل ودراسة الثغرات التي يحفل بها خطابه المتشدد·
وقد جاء بروز أسامة بن لادن في السنوات الأخيرة إيذانا بالتحولات الكبرى التي تشهدها ثورة المعلومات المميزة لعصرنا الحالي، حيث عرف بن لادن كيف يوظف التقنيات الجديدة التي يوفرها عصر المعلومات ببراعة، ليمرر خطابه إلى جمهور واسع من الرأي العام في العالم الإسلامي، ويبعث بإشاراته إلى أعدائه في الغرب· فحسب واضع مقدمة الكتاب ''بروس لورينس'' انتقل بن لادن من الاعتماد في البداية على الطباعة إلى الإنترنت ومن الاتصالات السلكية إلى الاتصالات اللاسلكية· كما استطاع بن لادن التعامل مع الإعلام الذي استفاد منه كثيرا في إذاعة تصريحاته وإيصالها إلى أكبر عدد من المشاهدين· ويلاحظ ''بروس لورينس'' وجود ثلاثة مستويات يمكن من خلالها مقاربة خطاب بن لادن وتحليله· على المستوى الأول يلفت مقدم الكتاب الانتباه إلى التغير الذي شهده أسلوب بن لادن بعد هجمات 11 سبتمبر ·2001 فبينما حافظ على الخطاب نفسه المعادي للإمبريالية الأميركية، حاول أن يستفيد من تفاعلات 11 سبتمبر حيث أدرك القوة النسبية التي بدأ يتمتع بها على الصعيد العالمي، خصوصاً حضوره الملفت في المجال الإعلامي· وقد ظهر ذلك من خلال الرسائل التي كان يوجهها إلى العالم الإسلامي حيث صاغها بأسلوب احتفائي يمجد عملياته الإرهابية وكأنه يريد أن يخلدها في التاريخ، وهو ما عبر عنه ''بروس لورينس'' بمحاولة بن لادن كتابة تاريخه الذي بدأ فعليا مع 11 سبتمبر· ولأن بن لادن لا يمثل دولة بعينها ويعتبر خارج الحدود القطرية نصّب نفسه فوق الدولة وممثلا للأمة الإسلامية في صراعها ضد الهيمنة الأميركية· ولا يتردد بن لادن في انتقاد الإعلام الغربي حيث اتهمه في أحد اللقاءات مع إحدى الفضائيات العربية في أكتوبر 2001 بترهيب المجتمع الغربي، مشيراً إلى أن الإعلام في نظره يفعل بالمواطنين الأوروبيين والأميركيين ما يعجز أعداؤهما عن القيام به·
ويظهر المستوى الثاني في مقاربة تصريحات بن لادن من خلال الهجوم العنيف الذي يشنه زعيم ''القاعدة'' على الأنظمة العربية، خصوصا تلك التي يراها متعاونة مع الولايات المتحدة· ولطالما اتخذ بن لادن من ذريعة تواجد القوات الأميركية في شبه الجزيرة العربية، التي يعتبرها أراضي مقدسة، لانتقاد الحكومات العربية· وقد ساعد بن لادن في نشر أيديولوجيته الهدامة وجود عاملين اثنين، حسب ''بروس لورينس''، يتمثل أولهما في وجود بيئة اجتماعية وثقافية منغلقة على ذاتها في بعض الدول العربية لا تشجع على التعبير الحر وممارسة النقد البناء· أما العامل الثاني، فيكمن في عجز تلك الحكومات عن تلبية الاحتياجات المتنامية للشباب في مجال التشغيل، وهو ما يتزامن مع الضغوط الإنمائية المتزايدة·
أما المستوى الثالث من المقاربة، فهو ذلك المتعلق بالتعريف الذي يضعه بن لادن لحربه على الغرب معتبرا أنها حرب مقدسة تندرج في إطار الصراع الممتد بين ''دار الإسلام'' و''دار الكفر''· ولا يخلو تصريح لبن لادن من الإشارة إلى الجهاد الذي يعتبره واجباً دينياً والتزاماً أخلاقياً، يجب على كل مسلم أن ينهض به في ظل ما يطلق عليه ''الهجمة الصهيونية والصليبية على المسلمين''·
وفي مقدمة الكتاب يوجه ''بروس لورينس'' نقداً لاذعا إلى الطريقة التي تتعامل بها السلطات في الغرب بما في ذلك وسائل الإعلام مع تصريحات بن لادن، حيث غالباً ما تلجأ إلى التعتيم عليها من منطلق أنه لا يجب منحه فرصة بث سمومه وإرهاب الجماهير· غير أنها في نظر ''لورينس'' مقاربة خاطئة لأنها تحرم المسؤولين من إمكانية تحليل كلمات زعيم ''القاعدة'' واستخلاص الإشارات والدلالات، التي قد تكون حاسمة في معركة القضاء على الإرهاب· بالإضافة إلى أن عرض المنطق الممجوج