نقل لي أحد الثقات أنه قرأ مقالاً لمفكر خليجي يشيد باستخدام اللهجات المحلية في الفضائيات العربية·· وأن هذا الاستخدام قد قرب العرب من بعضهم بعضا!!
وحيث إنني لم أقرأ المقال المذكور، فلسوف أتناول استخدام اللهجات المحلية في الفضائيات العربية معتبراً - على عكس ما نُقل عن المفكر الخليجي - أن هذا الاستخدام لن يوحد العرب، بل إنه دليل فشل لغوي، واحتيال من بعض المتسلقين على فضائياتنا من أجل الترويج لأهداف محددة بعيدة عن هذه الأمة التي (عذبناها) توحيداً في الصحف والفضائيات وهي ممزقة شر ممزق!!
أولاً: إن اللغة العربية هي لغة القرآن·· وهي الجامع الشامل لمضامين قصص الأولين والآخرين، وهي الميزان لجميع حالات (اللحن) في اللغة، وهي التي يتفق ملايين المسلمين والعرب على قراءتها بصورة سليمة· وبذلك أصبحت لغة الاتصال لعلوم الحديث والطب والثقافة وصنوف المعارف· لذا، حرصت مجامع اللغة على حمايتها من الغريب و (حوشي الكلام) وقامت بإدخال المصطلحات العلمية فيها وأوجدت لها نظائر لكي لا تكون اللغة العربية عاجزة عن مجاراة الركب العلمي·
ثانياً: لم يثبت أن اللهجات المحلية قد وحدت العرب، وإلا لوجدنا كتبنا المدرسية بلهجة مصرية أو سورية!! ثم إن اللهجات فيها كلمات لا يمكن كتابتها نصاً!! لعدم وجود مفردات أو أحرف لتلك اللهجة مثل: ايه (بالمصري)، أو جذيه (بالخليجي)·· أو اشكون (بالتونسي)، أو بالزاف (بالمغربي)·· إلخ· فكيف يمكن الحكم على أن اللهجات سوف توحد الأمة أو على الأقل تقربها!!
ثالثاً: لو افترضنا جدلاً أن اللهجات المحلية قد قربت العرب، وقد يكون هذا المقصود في حديث المفكر الخليجي - فهنا نحن نفترض وجود (22) لهجة عربية، وأي (مخ) عربي سوف يستوعب هذا الكم من اللهجات؟ وكيف سيتعامل هذا (المخ) مع المتشابهات منها ويضعها في إطارها الصحيح· إذا كانت اللهجة في بلد واحد - مهما كان حجمه - غير معروفة - لدى جميع سكان البلد·· فعلى سبيل المثال: لهجة البدو ليست مفهومة مئة في المئة عند جميع أهل الحضر·· ولهجة بعض القبائل في المغرب لا يفهمها جميع المغاربة، تماماً كما هي لهجة أهل جدة وأهل الرياض وشمال اليمن!!
إذن، نعتقد أن استخدام اللهجات المحلية سوف يسبب فوضى لفظية لدى المواطن العربي، وإن (استأنس) بعضهم حفظ كلمتين أو أربع كلمات من لهجة بلد عربي آخر!!
رابعاً: وهل اللهجات العربية لغات عالمية، أي هل يمكن التعامل معها في المحافل والمطارات والبنوك؟ وهي في أحسن حالاتها صعبة النطق على العرب أنفسهم، ناهيك عن أن بعض الكلمات المحلية المتاحة في بلد معين، نجدها مكروهة وتحمل مضامين سلبية وفاحشة في بلد آخر!!
خامساً: إن أوروبا التي توحدت في العديد من المجالات، لم تتخل عن لهجاتها ولغاتها المتعددة، ونشاهد في فضائياتها أنها تستخدم لغاتها المحددة، وتضيف ترجمة مكتوبة (Sub - Tittle) للدول التي يصلها البث ولا تفهم اللغة المستخدمة!!
سادساً: لقد أصبحت اللغة العربية لغة التدريس، والإعلام والمعاجم والصحف·· وصرفت الدول العربية الملايين من أجل تدريس ونشر اللغة العربية، فكيف نأتي اليوم - عبر الفضائيات - ونهدم كل ما تم تدريسه خلال الخمسين أو الستين عاماً الماضية؟ أليس هذا دعماً لموقف التربويين في عتبهم السابق على الإعلاميين من أن الإعلاميين يهدمون ليلاً ما يبنيه التربويون نهاراً؟!
سابعاً: إن التكنولوجيا عامل مساعد في نشر المعلومة، سواء جاءت عن طريق فيلم سينمائي أو برنامج تلفزيوني أو غير ذلك من وسائل·· وإن نجاح الأفلام العربية في المحافل الدولية ليس لأن لهجتها مفهومة لدى لجان التحكيم، بل لأن التكنولوجيا ساهمت في تقريب الحدث الموجود في الفيلم، ولا فرق لديها بين أن تكون المادة بلهجة محلية أو لغة عربية فصيحة!!
ثامناً: نعترف بأن بعض المسلسلات الخليجية قد وجدت رواجاً في البلاد العربية، ذلك أن بيئة الخليج لا زالت أرضاً بكراً لدى جمهور المشاهدين العرب·· ولقد سبقت الى ذلك الأغنية الخليجية والتي أصبحت مطلوبة في كل قطر عربي·· تماماً كما انتشرت قبلها المسلسلات المصرية والسورية؟ ولكن هل يمكن أن تنتشر المسلسلات التونسية والموريتانية بالوتيرة نفسها؟! وهل يمكن للموريتاني استيعاب اللهجة العمانية المحلية عبر مسلسل أو مسلسلين؟!
تاسعاً: وإذا اعترفنا بأهمية وجود مسلسلات محلية - أي بلهجة محلية - لكل بلد عربي·· فهذا لا يعني أن نقدم برامج مغرقة في المحلية ونطلب من المشاهدين العرب المشاركة فيها·· فعلى سبيل المثال: ماذا سيكون رد المتسابق العربي على سؤال باللهجة الخليجية يقول: قالوا تيس قال····! أكمل؟؟·· أو إذا فات الفوت····!! أكمل؟! أو أن يقوم مقدم البرنامج بعرض أداة تستخدم في (الغوص) ويطلب من المتصل معرفة اسم الأداة!!
أعتقد جازماً أن الذين يلجأون الى اللهجة المحلية في برامجهم يعانون ضعفاً في اللغة·· وخوفاً من الخطأ·· وأنهم - في عصر الأقمار الاصطناعية - يخسرون الملايين ويخسرون مشاهديهم لو أنهم قدموا هذه البرامج باللغة العربي