جلسة مجلس الأمن التي عقدها يوم 31/10/،2005 والقرار رقم 1636 الصادر عنها، ألزم دمشق بإبداء تعاونٍ كامل مع اللجنة الدولية التي تحقق في حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري ومساعديه، وهو قرار على اتصال وثيق بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والذي يفتح الباب على مصراعيه لحق إصدار قرارات عقابية أخرى ما لم تلتزم سوريا بالتطبيق الكامل والحرفي للقرار·
ورغم إقرارنا بالسرعة والدقة اللتين نهجتهما لجنة ''ميليس'' -وهناك لجان لم تنفذ مهامها بهذه السرعة- وتقديم شبه قرار إلى مجلس الأمن، إذ اعتمد القرار على خلفية ونصوص التقرير بصورة كبيرة، ورغم إيماننا بأن الولايات المتحدة تستهدف سوريا كونها الدولة الأكبر والأقوى -بين جيرانها المحيطين بإسرائيل، باستثناء مصر التي حيّدتها اتفاقية السلام- فإن قبول سوريا بتنفيذ بنود القرار بكل دقة حتى لا تفتح الباب عليها، وتجد الولايات المتحدة ثغرة لإعادة سيناريو العراق عليها! هو المهم·
بعض الكتاب العرب الذين تأخذهم العزة بالإثم، والمسكونين منذ ''طفولة'' المد القومي بثقافة الصراخ، يُدبجون عبارات لا تقدم ولا تؤخر في سير الأحداث، بل إنهم ''يصرخون'' هنا وهناك بتمجيد الدور السوري، وأن سوريا قلعة الصمود في وجه إسرائيل، وأن على الولايات المتحدة اســـتيعاب الـــدرس العـــراقي -ولا ندري إن كان هناك درس عراقي، خصوصاً بعد زوال حكم صدام حسين- ويرون أن وجود صدام حسين أفضل لاستقرار الشرق الأوسط، غير عابئين بأرواح العراقيين التي أزهقت، وبمقدرات العراق التي راحت في حربين لم يجْنِ منهما الشعب العراقي إلا غضب واستياء العالم، وتشريد عظماء العراق وفنانيه وشعرائه ومهندسيه في الشتات!
بعض الكتاب الذين يسكنون في فلل ''النفط'' ولا يدركون معنى الحصار أو العقوبات الدولية ''ينفخون'' في قربة القومية المخروقة من أجل (مقارعة الولايات المتحدة والوقوف في وجهها من أجل ''الكرامة'' العربية والأنفة الزائفة)· يقولون هذا الكلام وهم تحت مكيفات النفط، أبناؤهم في أرقى المدارس، ويركبون السيارات الفارهة، ولا يدركون كيف يعيش الإنسان السوري؟ وما هي طموحاته وما هو سعر الليرة، وما هي فرص العمل، وكيف ستكون آثار الحصار لو بقيت عشر سنوات أو أكثر!
إن واقع الحال، واستفراد الولايات المتحدة بدور البطولة في مسرح الأحداث في العالم، يلزمنا أن نستبدل لغة الصراخ بحكمة عقلانية، إذ لم تُفد تلك اللغة إبان الحصار على العراق، أو القصف الأميركي للعراق، ومن ثم احتلاله! وكما سكت الذين ''صرخوا'' ضد الولايات المتحدة في احتلالها العراق، حتماً سوف يعجزون عن صراخهم ويسكتون لو حلّ بسوريا أمرٌ خطب!
وكما أثبتت الأحوال في ظروف الهجوم على العراق، حيث لم تفد المعارضة في مجلس الأمن، ولا جدوى للفيتو للدول الخمس ومنها من تعتبر صديقة للمستضعفين في الأرض، مثل العرب، ولا صداقات العراق مع روسيا والصين أو فرنسا، فإن الحال نفسه كان حاضراً إبّان التصويت على القرار الخاص بسوريا، ولا نعتقد أنه لو قامت الولايات المتحدة بعمل عسكري سيكون موقف هؤلاء ''الأصدقاء'' مختلفاً!
وقضية الصراخ لم تفد صدام حسين، حيث استغل الفضائيات، وأثرّ على العديد من الدول العربية، وظهرت المظاهرات المؤيدة له والمُنددة بالولايات المتحدة، وهي تحرق ''دمى'' بوش وتحرق أعلام الولايات المتحدة، لكن بوش حلّ في بغداد وارتفع علمه على تراب العراق··· وبالتالي سكت كل الذين مارسوا الصراخ في الفضائيات وعلى صدور صفحات الجرائد·
واليوم، استناداً إلى أن العرب ظاهرة صوتية، تجرى في دمشق لقاءات للنقابات بقصد حشد الجماهير وتعبئتها ضد الولايات المتحدة الأميركية في العالم· وكل ذلك لن يجدي، وإن الشعارات الوطنية التي توزعها بعض الجهات لن تأتي بمردود إيجابي· هل يعيد التاريخ نفسه؟ من يدري؟ ونقول: ما أشبه الليلة بالبارحة؟
إشكالية العقلية العربية المتوترة أنها ترى كل مبادرة عقل، أو حكمة اتزان على أنها نكران للعروبة أو تفريط في الحقوق أو تواطؤ مع أعداء الأمة· إشكالية العقلية العربية المتوترة أنها لا تقرأ التاريخ جيداً· وأن هذه الأمة -من بعد سقوط الأندلس، وضياع القدس ولواء الإسكندرونة- لا تحاول أن تعترف بواقع الحال وأن القوي هو الذي يسود ويقود حتى الأمم المتحدة! وأن الصراخ ''وعويل'' الفضائيات لن يغير ساكناً، فما بالكم لو صدرت قوانين دولية بحق دولة ما! وكان الرأي قبل دخول القوات الأميركية وغيرها إلى العراق أنها دخلت بغير غطاء أو قرار دولي! ثم جاءت مرحلة لاحقة اعترفت الولايات المتحدة باحتلالها للعراق!
ماذا فعل العروبيون؟ وماذا فعل دهاقنة الفضائيات؟ كانت الدبابات على بُعد كيلومتر واحد من ساحة الفردوس ببغداد، وأحد الصحافيين العرب يرفع عقيرته بالصراخ: صدام سوف ينتصر··· وسترون أشلاء الأميركان على أسوار بغداد! كان الصحافي يردد أكاذيب الصحاف فيما يتعلق بـ''العلوج''، ولا ندري من صار ''علجاً'' في النهاية في فم الفضائيات؟ (العلج- الأخيرة