كثيرة تلك القضايا، التي تستلزم من البشر الوقوف في وجهها، معلنين بشجاعة عن رأيهم فيها، دون التفكير في العواقب· لكن ليس الجميع يملكون أدوات الشجاعة والإقدام، لتغيير وقائع حياتهم، كون الأغلبية ملهية في تدبير أمور حياتها اليومية، مطحونة في رحى ظروفها القاسية، تتخوّف من الشدو بمطالبها، تتردد في التلفّظ بقول أو موقف قد يجلب لها شرا مستطيرا، أو يؤدي إلى حدوث نتائج وخيمة عليها، أو إلى وقوع زلزال مُدمّر، يُصدّع الأرض من تحت أقدامها·
هناك الكثير من اللاءات الباسلة، كان لها دور في تغيير تاريخ الشعوب، وكانت الصرخات المدوية المنبثقة من حناجر أصحابها، عاملا قويا في خلاص مجتمعاتها من قيودها الثقيلة، وفي إرساء مراكبها عند شواطئ الأمان·
في الأمس القريب، توفيت روزا باركس، عن عمر يُناهز الثانية والتسعين، وهي المرأة التي يجهل الكثيرون في مجتمعاتنا العربية، أنها من أشعلت فتيل حقوق المساواة، برفض التمييز بين السود والبيض داخل أميركا، حينما رفضت إخلاء مقعدها في الحافلة لرجل أبيض، قالتها بمرارة من منطلق إحساسها بآدميتها، وحقها الطبيعي في أن تُعامل مثل أي فرد، دون التفريق بين راكب وآخر بسبب لونه أو عرقه أو موطنه الأصلي·
هذه الـ''لا'' المنفردة، تسببت وقتها في حدوث مواجهات مسلحة بين البيض والسود، لكنها أدت في النهاية إلى تعديل القوانين الخاصة بالتمييز العرقي، الذي قاد مسيرته رمز الحقوق المدنية بأميركا، القس مارتن لوثر كينج·
مع هذا، يجب الاعتراف بأن العنصرية البغيضة ما زالت مستعرة تحت الرماد داخل أوروبا وأميركا، وأمام الشعوب العديد من اللاءات، الواجب النضال من أجلها، خاصة تلك المتعلقة بالدين واللون والعرق·
التقيتُ في لندن بمديرة البنك الذي أتعامل معه، كانت امرأة سوداء، أخذنا الحديث حول نجاح الأميركان والبريطانيين السود، في تصدّر العديد من الوظائف المهمة· أخبرتني بمرارة بأن التمييز لم يزل قائما، وأنها تُعاني الأمرَّين من رئيسها الأعلى، كونها امرأة من جانب، وذات لون أسود من جانب آخر، وهو ما يدفعها إلى بذل جهد مُضاعف لتثبت جدارتها، حتّى لا تنتزعه منها بشرة بيضاء!! ضاربة المثل على صدق كلامها، بارتفاع نسب البطالة والفقر والجريمة والمخدرات في مناطق السود، وتجاهل الحكومات لحل مشاكلهم التي تتفاقم يوما بعد يوم·
في مجتمعاتنا العربية، لا ننظر بدونية إلى السود بحكم ثقافتنا الدينية، التي تنظر سواسية للناس، لكن للأسف في الآونة الأخيرة، اجتاحت عواصف التمييز الطائفي والعرقي، رقعا كثيرة ببلداننا العربية والإسلامية، وهو ما يُهدد بزعزعة الاستقرار والأمن فيها·
لنقل لا للظلم، لنقل لا لانعدام الحريات، لنقل لا لفقدان العدالة، لنقل لا لكل صنوف الاستبداد التي تُعيق تقدمنا، لنقل لا لعفونة التمييز الطائفي والعرقي، الذي فاحت رائحته مؤخرا، كونه طاقة من طاقات جهنم على الأرض، لو فُتحت على مصراعيها لن تُبقي ولن تذر بشرا على الأرض·
لقد فقد المناضل مارتن لوثر كينج حياته، وهو يصرخ من أجل حقوق السود في أميركا، وأصرّت امرأة سوداء بسيطة في منتصف عمرها، تعمل حائكة، ألا تترك مكانها لغيرها، في زمن كانت الشجاعة بالنسبة لامرأة في مكانتها، ضرباً من الجنون، لكن ألا تحتاج الحياة أحيانا، أن نصمَّ آذاننا، ونُغمض عيوننا، ونُلغي عقولنا، ونتصرف بتهوّر كالمجانين، حتّى ننتزع حقوقنا، ونحفظ أوطاننا من المجهول القادم!