يبدو أن الرئيس الإيراني لم يقرأ التاريخ جيداً، وأراد إحداث هزة داخل المجتمع الإيراني بترديد عبارة قالها ''الخميني'' قبله! وهي الدعوة إلى ''شطب إسرائيل من الخريطة''! ودافع عن نضال الشعب الفلسطيني، وكأنه الناطق الرسمي عن الدولة الفلسطينية، والتي انتقد وندد بزعمائها الذين ''اعترفوا أو سيعترفون بإسرائيل''· وأعاد الرئيس الإيراني ''أحمدي نجاد'' -الذي بدأ أول أيام حكمه بحملات واضحة ضد الولايات المتحدة- لهجة العداء للولايات المتحدة عندما أشار إلى أن إسرائيل صنيعة ''قوى الظلم العالمية'' في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة وأوروبا·
إسرائيل -من جانبها- لم تتأخر في الرد على تصريحات الرئيس الإيراني، فقد أعلن وزير خارجيتها ''سيلفان شالوم'' أن بلاده تعتبر إيران ''خطراً أكيداً وراهناً''، وأنها تلقي بالتصريحات هنا وهناك ''لمحاولة كسب الوقت لتطوير قنبلتها النووية''؟ تلك القنبلة التي تقضُّ مضجع إسرائيل·وبعد يومين من تصريحات الرئيس الإيراني·· علّق الرئيس ''نجاد'' على الحملة العالمية ضده بالقول إن تصريحاته ''عادلة وصائبة'' وإنها ''كلمات الشعب'' وإن كل ما يقولونه -يقصد منتقديه- وكلماتهم ''ليس لها أي أهمية''·
وعلى نقيض ما جاء على لسان الرئيس الإيراني، قال بيان لوزارة الخارجية الإيرانية ''إن إيران الإسلامية تتمسك بالتزاماتها حسب ميثاق الأمم المتحدة''، وأضاف البيان أن إيران ''لم تستخدم قط القوة ضد دولة ثانية أو تهدد باستخدام القوة''·
الولايات المتحدة ردت بقوة وحزم أنها تحمل تصريحات الرئيس الإيراني على محمل الجد، كما ورد على لسان وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس·
وقد تكون هنالك تصريحات وتصريحات مضادة حتى نشر هذا المقال!
المهم هو: ماذا تريد إيران من استعداء دول العالم ضدها؟ هل حنّت إلى دور ''البطولة'' كما يجري عادة في التاريخ!
ومع علمنا بمحاولة الولايات المتحدة عزل إيران، خصوصاً بعد المواجهات الكلامية حول الملف النووي الإيراني ومقاطعة إيران لفريق عمل التفتيش الدولي، ثم عادت -في الأسبوع الماضي- لتعيد المفاوضات على خلفية أن ''الطرفين الإيراني والأوروبي يثقان في ضرورة تسوية الخلاف النووي بالسبل الدبلوماسية''· كما صرّح بذلك المتحدث باسم المجلس الأعلى للأمن الوطني·
تحاول إيران إبقاء ''شعرة معاوية'' مرخية أحياناً، وتشدها أحياناً أخرى، لربما للفت نظر العالم عما يجري في العراق والدور الإيراني في جنوب العراق·
ولعل ما قام به الرئيس الإيراني مؤخراً، ودعوته لمحو إسرائيل من الوجود، أضاف إلى تحمس العديد من الدول رفع الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، مشفوعاً -هذه المرة- مع مخالفات للدبلوماسية الدولية، وهي الاعتداء اللفظي وغير المهذّب على دولة عضو في الأمم المتحدة· وهذا يجعل موقف إيران أكثر صعوبة في التعامل مع الأخلاقيات الدبلوماسية التي تحكم علاقات الدول· وفي عصر العولمة وأحادية القطب فإن قوة الدولة تنبعث أصلاً من قوة علاقاتها بالمجتمع الدولي، ولا يكفي أن يتجمع الشعب حول رئيسه أو حكومته!
ولا أدلّ على ذلك من قوة سلطة صدام حسين·· والعسكر الذين حكموا العراق وثبتوا أركان صدام حسين أكثر من ثلاثين عاماً، ثم تلاشوا كالرمال·
وإذا ما كانت إيران تبدو للمجتمع الدولي بأنها حامية الفلسطينيين، والمدافعة عن حقوق المظلومين أو ''المستضعفين'' في الأرض، وأنها تدعم ''حزب الله'' أو المقاومة في لبنان والأراضي المحتلة، فإنها بتصريحات رئيسها المعطّلة لمهام إيران الإسلامية، تجعل تلك المقاومة في مهب الريح، ولا نستبعد أن يصدر قرار من مجلس الأمن بفرض حظر على إيران يُعيدها أربعين عاماً إلى الوراء، مهما عولت إيران على مساندة دول تعتبرها صديقة في مجلس الأمن·
وإذا كانت شرعية الفلسطينيين -المتمثلة في السلطة الفلسطينية- قد وضعت يدها في يد إسرائيل، لبدء مرحلة السلام في الشرق الأوسط، ورضي الفلسطينيون بما تقوم به قيادتهم الشرعية، فلماذا تُشغل بالها بالشأن الفلسطيني·· ولماذا تُنصب نفسها حامية عن الفلسطينيين؟
قد لا ينتهي شهر نوفمبر إلا وتُعطي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قرارها بإحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن! وحتى لو لم يحدث ذلك -إثر تدخل أوروبي- لأن ملفاً جديداً أصبح أكثر حرارة لإثارة مجلس الأمن والذي ينافح أكثر أعضائه عن سيادة الدول وشرعيتها، حتى تلك التي ينظر لها على أنها غير شرعية مثل إسرائيل! ورأت إيران أن القرار الذي اتخذه مجلس الأمن -حيث أملته إسرائيل كما تقول طهران- لإدانة تصريحات الرئيس الإيراني، بأنه غير مقبول، مؤكدة ''أنها ليست لديها النية لمهاجمة إسرائيل''!
ولئن كان الصدام بين الولايات المتحدة وإيران يبدو محدوداً، وهو ليس كذلك، فإن وقوف إيران ضد الإرادة الدولية، المتمثلة في مجلس الأمن، سوف يضع كل المبررات على الطاولة لعزل إيران عن المجتمع الدولي·
وإذا كانت إيران تحاول الانتقام لحوادث التاريخ من ماضي مواقف الولايات المتحدة -وترمي ''القذى'' في عين التاريخ بمنا