أحيت إسرائيل الأسبوع الماضي مرور الذكرى السنوية العاشرة لوفاة إسحاق رابين رئيس وزرائها الأسبق وزعيم ''حزب العمل'' والأب الروحي لاتفاقيات أوسلو، الذي اغتيل على يد متعصب يهودي يميني في الرابع من شهر نوفمبر ·1995 وعلى الرغم من عبارات المديح التي أسبغت على رابين خلال الاحتفال بذكرى وفاته إلا أننا يجب أن نعرف أن الرجل لم يكن قديسا فقد كان في النهاية رجلاً عسكرياً صارماً، وكان رئيسا للأركان في حرب الأيام الستة عام ،1967 كما أنه الرجل الذي سيتم تذكره على أنه هو الذي أصدر أوامره بـ''تكسير عظام'' الفلسطينيين خلال انتفاضتهم الأولى التي اندلعت عام ·1987
وكانت قوة رابين تكمن في أنه رجل يتمتع بعقلية منفتحة ولم يكن عقائدياً حيث استوعب حقيقة إن إسرائيل لن تستطيع أن تفرض نفسها على العرب من خلال القوة المسلحة وحدها·· وأنه يجب أن تكون هناك حدود لتوسعها· وعلاوة على ذلك فإن الانتفاضة الفلسطينية جعلته يقتنع - وإن على مضض- بالرأي الذي يقول إنه إذا ما رغبت إسرائيل في الأمن، فإنها يجب أن تتفاوض على السلام ليس مع الفلسطينيين وحدهم، ولكن مع سوريا أيضا·
كان هناك بالطبع مدى للحدود الذي كان رابين مستعدا للذهاب إليها·· حيث كان على استعداد للاعتراف بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني·· ولكنه لم يصل إلى حد الاقتناع بفكرة إقامة دولة فلسطينية·· كما أنه بدأ المفاوضات حول هضبة الجولان مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، ولكنه لم يكن متأكدا مما إذا كان الوقت مناسبا للتوصل إلى تسوية حول هذا الأمر أم لا·· وكان أمله أن يزداد هو قوة، وأن يزداد الأسد ضعفا قبل حلول الوقت الذي يجد فيه نفسه مضطرا لعقد اتفاقية معه بشأن الهضبة·
صحيح أنه قد مضى في طريق السلام مع الفلسطينيين وسوريا إلى مسافة أبعد مما مضى أي زعيم إسرائيلي آخر من قبله أو من بعده·· بما في ذلك إيهود باراك الذي ادعى أنه خليفته عندما جاء إلى السلطة عام ·1999 فباراك لم يكن يتمتع بكاريزما الزعامة التي كان يتمتع بها رابين، كما كان يفتقر إلى وضوح الرؤية التي كانت لدى الأخير والتي كان ممكناً أن تمضي به قدما في التسوية إلى نهايتها الناجحة على المسارين الفلسطيني والسوري·
وعندما نلقي نظرة على كل ما حدث، فإننا سندرك أن اغتيال رابين وجه ضربة قاصمة لعملية السلام، لأنه غيَّر ميزان القوى داخل المجتمع الإسرائيلي لصالح اليمين القومي والديني·· إلى درجة يمكن معها القول إن قاتله ''إيجال عامير'' الذي يتمتع بإقامة مريحة داخل السجن، بل وقد يسمح له بالزواج أيضا، هو الذي كسب المعركة في النهاية· فالتقدم على المسارين الفلسطيني والسوري يكاد الآن يكون قد توقف تماما، كما أن عملية أوسلو ماتت وشبعت موتاً، بالإضافة إلى أن العهد الذي كان رابين قد قطعه على نفسه بإعادة الجولان إلى سوريا قد أصبح في طي النسيان· وبدلا من ذلك نرى الآن أن المستوطنات تتوسع باستمرار، وأن الجدار العازل الذي تقيمه إسرائيل، يلتهم المزيد من الأراضي الفلسطينية في تحد صارخ للقانون الدولي·
أما حزب العمل الذي كان يقوده رابين، فقد تحول الآن إلى صورة باهتة وتدعو للرثاء مقارنة بما كان عليه في الماضي· فبعد أن تقلص عدد أعضائه الموجودين في الكنيست الإسرائيلي إلى 19 عضوا فقط، فإن الحزب لم يعد يمثل بديلا موثوقا به لحزب الليكود الحاكم· بيد أن الحزب مع ذلك لعب دورا حاسما في دعم رئيس الوزراء آرييل شارون ضد خصومة من اليمين المتطرف، مما مكنه في النهاية من إتمام الانسحاب من قطاع غزة· والحقيقة أن حكومة آرييل شارون ما كان يمكن أن تظل موجودة في السلطة دون دعم حزب العمل· والآن وبعد أن أتم رئيس الوزراء الإسرائيلي الانسحاب من غزة، فإن حزب العمل أمامه خياران لا ثالث لهما: إما الاستمرار في الحكومة وإما الإصرار على قيام شارون ببدء المفاوضات مع الفلسطينيين· ولكن رئيس الحزب المخضرم شيمون بيريز والذي بلغ الثانية والثمانين من عمره، يبدو أكثر حرصا الآن على مقعده في الوزارة منه على مبادئ حزبه· فهو لا يزال يقدم دعمه الكامل لشارون المعروف بأنه العدو الرئيسي للمفاوضات· ولقد أوضحت التطورات التي تمت في الأسابيع الأخيرة بجلاء، أن كل ما يريده شارون هو الأرض وليس السلام· فهو يرفض جميع المفاوضات مع الفلسطينيين، ويستمر في إصدار أوامره لجيشه بشن غارات داخل الأراضي الفلسطينية، واغتيال المقاتلين، وهدم المنازل، وفرض حظر التجول، وإجراء عمليات قبض واسعة النطاق، وما إلى ذلك من إجراءات قمعية عرفت بها إسرائيل·
والحيلة المألوفة التي يلجأ إليها شارون هي أن يقول إن المسائل المتعلقة بالوضع النهائي لا يمكن مناقشتها قبل أن يتمكن ''أبومازن'' رئيس السلطة الفلسطينية من وضع نهاية للعنف· وشارون يعرف جيدا أن هذا الشرط يستحيل تحقيقه، بل إن الحقيقة هي أنه يهتم اهتماما خاصا باستفزاز المقاتلين الفلسطينيين، ودفعهم إلى العودة إلى العنف في كل مرة يظهرون فيها استعدادا لقبول الهدنة النهائية· في نفس الو