أتذكر بعد انتصار مصر في حرب 73 هرع الإسرائيليون للتعرف على جوانب الخلل التي سمحت للعرب بمفاجأة الإسرائيليين وتحقيق انتصار أعاد للعرب بعضاً من كرامتهم وظهر التقرير الإسرائيلي ليحدد الخلل، وكان منطلق ذلك احترام العقل الإسرائيلي لضمان مصالحه المستقبلية·
وإسرائيل تحرص على مراجعة سياساتها والتعرف على القصور فيها لتجنب المفاجأة، ومقابل ذلك لم يتوفر في الجانب العربي أي جهد علمي وشعبي سواء من المؤسسات الرسمية أو غيرها، يأخذ على عاتقه دراسة الأزمات أو أسباب النكسات التي يمر بها العرب·
وبالطبع لن تذهب إلى درجة القول إن انعدام مثل هذه الدراسات ساهم في استمرار خط الأزمات، وذلك لأن هذه الدراسات غير قابلة للإنجاز عربيا وغير قابلة للتداول حتى في حال إنجازها· وطبعا تقابل هذه الحقائق الاستنكار والرفض من بعض العرب على هذا التعميم السريع، مشيرة إلى موجة الكتب والمقالات التي طافت على الصحافة العربية بعد هزيمة حزيران وحرب ،73 وكامب ديفيد، والحرب العراقية الإيرانية، وحرب تحرير الكويت والعراق· وربما نقبل هذا الاعتراض على ما نقوله، ولكن فقط من أجل الإشارة إلى أزمة العقل العربي ليس في هذا الاستنكار والاعتراض، بل من خلال صيغ المعالجات الرسمية والشعبية بشكل عام·
لو تذكرنا كيف كانت المعالجة العربية للهزائم المختلفة مرورا بهزيمة حزيران وانتهاء بحرب تحرير العراق، لوجدنا أنها ما تزال هي هي في صيغ معالجتها مع الاختلاف في العناوين·
لن نتوقف طويلا في الماضي، ولكن حسبنا تذكر الكتابات التي استخدمت لون الماركسية والمصالح السوفييتية والتي أوضحت أن الهزيمة في حزيران كانت لما سمته التقليعة البرجوازية والعقل الديني· ونتذكر كتاب نقد العقل الديني لصادق العظم والمعارك التي جهزت له لكي يأخذ مداه، ولنتذكر كذلك الكتابات حول سقوط الجولان والتي تم توجيه اللوم فيها لمؤامرة الاقليات ولمخطط منذ أيام لورينس وسايكس بيكو· ونستطيع أن نقول إنه مازال سائدا بشكل أو بآخر بأن هناك خطأ في المنهجية في تناول قضايانا ·
خط الأزمات سيستمر في المنطقة العربية، وتبقى المنطقة غير قادرة على الخروج من أزماتها وذلك لاصرار زعاماتها سواء الرسمية أو الشعبية على اتباع نفس النهج في تفسيرها للأحداث التي تمر بها· ولنأخذ على سبيل المثال بعضاً من الأمثلة الحية ومنها انفجارات نيويورك وحرب تحرير العراق وحتى انفجارات الرياض الأخيرة، فمازال الكثير يؤمن بعقلية المؤامرة·
عقلية المؤامرة مازالت مسيطرة على نمط تفكير كثير من العرب واستطاع كثير من الزعماء العرب تجيير نمط التفكير السائد لتحويل الأنظار عن الهموم الداخلية، وإبعاد الناس عن قضاياهم وتحويل طاقاتهم نحو اتهام الآخر وتحميله مسؤولية اخفاقاتهم واحباطاتهم· تحميل الآخر مسؤولية الفشل الذي نواجهه في حياتنا لن يؤدي بنا إلا لمزيد من تراكم الاخفاقات وفقدان الأمل، وربما إلى مزيد من الانفجارات التي سيدفع ثمنها الجميع، وأولها الأنظمة الحاكمة·
فهؤلاء الشباب الذين يقتلون أنفسهم ويقتلون الآخرين هم نتاج لتراكمات الإحباط والفشل وفقدان الأمل في الحياة·
من الخطأ الاعتقاد أن أسلوب تعامل أنظمة الحكم العربية سيجنبهم السقوط، فالتاريخ مليء بأمثلة كثيرة تؤكد بأن الإنسان عندما يفقد الأمل في الحياة فالأشياء تتساوى أمامه، ولن يجدي لا السيف ولا المدفع في مواجهة الفئات الخانقة على سياسات مجتمعاتنا، وسيجد هؤلاء في الموت الأمل في الحياة·