من دون مقدمات تتم المواجهة في كل محفل ومناسبة بين طرحين، الأول يرى أن الإعلام فكر وعلم ومنهج عمل يرتبط بنظريات علمية في التربية وعلم النفس والسياسة والاقتصاد، وفريق آخر يرى أن الإعلام ما هو إلا عبارة عن ممارسات وتجارب يمكن أن يتقنها كل من لا حرفة أو مهنة له· ويؤكد أصحاب هذا التوجه أن كثيراً من العاملين في الإعــــلام ممن لا سابق تأهيل علمي لديهم ناجحون ومؤثرون وصامدون في مواقعهم ويمارسون عملهم في توجيه الرأي العام وإغراق الصحف والمجلات ومحطات الإذاعة والتلفزيون ببرامج أقل ما يقال عنها إنها مخربة للأذواق، خادشة للحياء أو مدمرة لروح المقاومة وحاضة على الاستسلام للأمر الواقع وتأكيد الاتكالية والرضا بما هو حاصل·
من أغرب الأطروحات في مجابهات الطرح الإعلامي السجال الذي يدور بين الأكاديميين الإعلاميين وخاصة أساتذة الإعلام في الجامعات العربية ومديري بعض المؤسسات الإعلامية، إذ تشير أصابع الاتهام وبشكل فج إلى ضعف التكوين المهني لخريجي أقسام الإعلام من طلاب وطالبات وعدم قدرتهم على الولوج وبشكل صحيح إلى سوق العمل وفشلهم في تحقيق انجازات إعلامية بارزة· ويؤكد أصحاب هذا الطرح أن أقسام الإعلام في الجامعات العربية لا توفر التدريب المهني الكافي والصقل من خلال الاستخدام المكثف للأجهزة والمعدات وأن أقسام الإعلام تركز على الجانب النظري وخاصة نظريات الإعلام وتاريخ الصحافة ونظريات التأثير والإعلان والعلاقات العامة وفلسفة التاريخ وغيرها من المواد النظرية التي يعتقد عمال الإعلام أنها لا تصنع إعلامياً· أساتذتي علماء الإعلام الذين تتلمذت على أيديهم وطورّت فكري الإعلامي من خلال أطروحاتهم لهم في هذه المسألة رأي أوجزه فيما يلي:
يقول المرحوم الأستاذ جعفر علي أستاذ علوم السينما في أكاديمية الفنون الجميلة: إن أي مشتغل بالفن الابداعي يجب أن يزود بمعارف فلسفية جمة، ويسأل كيف يمكن أن تكون مخرجاً سينمائياً متميزاً وأنت لا تعرف نظريات الفن ولا تعرف التأثير النفسي للألوان ولا تعرف أساسيات توزيع حزم الضوء والبقع اللونية ولا تعرف الأثر النفسي للتكوين في الكادر السينمائي· يمكن أن يكون الكادر السينمائي جميلاً وزاوية الكاميرا جميلة ولكن هل تعرف لماذا؟ إن كل الموجودات في الكادر السينمائي مفردات في لغة جميلة وصعبة تحتاج إلى عقل مفكر ومبتكر ليحولها لمعانٍ تستطيع أن تخاطب عقل ووجدان المتلقي· أما الأستاذ الكبير والمسرحي الأكاديمي سامي عبدالحميد فإنه يؤكد أن الممثل وإن امتلك كل المواهب التي تعينه على تجسيد الشخصيات فإنه بحاجة إلى ثقافة عامة في شتى المعارف، هذه المعارف واجبة لإعانته على التجسيد الحقيقي للشخصية التي يقدمها لجمهور النظارة· ولأكثر علماء الاتصال أفكار تصب في ذات الاتجاه مع التأكيد على عدم قدرة أقسام الإعلام في الجامعات العربية والعالمية على مجاراة المستجدات التقنية التي تطرأ وبشكل يومي على تقنيات الطباعة والنشر والبث الإذاعي والتلفزيوني، وإن مجرد التفكير ببناء استديو تلفزيوني بمواصفات محطات التلفزة فكرة مجنونة· إن مهمة أكاديميات وكليات وأقسام الإعلام تكمن في تزويد الطالب بالمعارف العلمية واكتشاف مواطن القوة والإبداع والابتكار في شخصيته ومن ثم توجيه طاقاته الابداعية وصقل مهاراته والدفع به وبكل ثقة لسوق العمل بينما تتولى المؤسسات مهمة تطوير هذه المهارات والدفع بها للاحتراف حتى يستقيم القلم واللسان معاً تحت مظلة فكر إعلامي ولأن الفكر هو الأهم ولتأكيد ما رميت إليه أسرد لكم هذه الحكاية·
في بداية التسعينيات شاركت في لجنة خاصة للتحكيم في مهرجان يهتم بالإنتاج السينمائي لغير المحترفين في مسابقة نظمت في جزيرة صقلية الايطالية· وبعد مشاهدة أكثر من 350 شريطاً سينمائياً قررت لجنة التحكيم منح الجائزة الأولى والثانية والثالثة لسينمائيين شباب من أفريقيا كانت أكبر تكلفة لإنتاج أشرطتهم لا تتجاوز 500 دولار أميركي بينما كانت بعض الأشرطة المنجزة تجاوزت تكلفة إنتاجها 60000 ألف دولار أميركي· وخرجت الصحافة في اليوم التالي لتوزيع الجوائز تبحث عن السر الكامن وراء فوز أشرطة سينمائية زهيدة الثمن· وجاء تقرير لجنة الحكام ليؤكد مجموعة من الحقائق، منها أن الفوز من عدمه لا تحدده المبالغ المصروفة على الإنتاج ولا تحدده الخدع وتقنيات الإضاءة وسعر الكاميرا· لقد استندت اللجنة في تقييمها إلى الأفكار التي تضمنتها الأشرطة وبعدها الإنساني وقدرتها على طرح أفكار ذات مضامين تتجاوز حدود الوطن الواحد لتناقش موضوعات ترتبط بالإنسان، بغض النظر عن لونه وديانته ومذهبه وانتمائه الفكري· وكان من بين الأشرطة الفائزة شريط سينمائي تكلف إنتاجه 350 دولاراً أميركياً وصوّر بكاميرا سينمائية 8 مللميترات وتمت عمليات التوليف (المونتاج) بواسطة جهاز يدوي زهيد السعر· ويحكي الفلم قصة طفل يعيش معاناة حرب أهلية بين قبيلتين قبل أن يفقد كل أفراد أسرته على يد زعيم مهووس بالقتل مصاب بجنون العظمة، كانت فكرة العمل رائعة وتم تجسيد ال