نعلم عن منظار ''هابل'' الفضائي أنه معني أساساً برصد أطراف سطح الأرض وأقاصيه، غير أنه حول عدسته مؤخراً لرصد القمر·· ويا لهول المفاجأة! فقد تمكن المنظار من رصد تركيز عالٍ لبعض المعادن، ربما ينبئ عن اكتشاف مصدر للأوكسجين، يقدر له أن يدعم حياة رواد الفضاء القادمين إلى القمر في المستقبل· ففي خطوة غير مسبوقة في استخدام المنظار المذكور، والذي يدور عادة حول الأرض، تمكن العلماء والباحثون من تدريبه، على رصد القمر في شهر أغسطس من العام الجاري، لأول مرة منذ بدء عمله· وقد نجح المنظار في التقاط صور ذات ألوان فوق بنفسجية وبالغة الدقة، أفاض العلماء في الفرحة بها، وتعليق الآمال والأهمية الكبيرة على النتائج الجيولوجية التي أسفرت عنها تلك التجربة· وبكلمة واحدة، فإن النتائج المشار إليها تمكن الباحثين والعلماء من رؤية المناطق الغنية بتنوع وتركيز المواد المعدنية في سطح القمر، علاوة على العون الذي تقدمه للباحثين، في تحديد المواقع التي يمكن التفكير في ابتعاث الروبوتات والمجسات الإلكترونية إليها، وتلك التي يمكن أن تتجه إليها أطقم الرواد الفضائيين في المستقبل·
وفي لقاء صحفي أجري معه مؤخراً، قال الدكتور جيمس جارفين -الباحث الرئيسي بمركز جودارد للرحلات الفضائية بوكالة ناسا، ورئيس التجربة الجديدة في استخدام منظار ''هابل'' المذكورة- إنه لم يسبق للباحثين الفضائيين أن حظوا بأية صورة ملتقطة بتقنية الأشعة فوق البنفسجية، لكي يتمكنوا من الوصول إلى مثل هذه النتائج التي أتاحتها لهم التجربة الأخيرة هذه· وكانت التقنية العالية المتطورة التي اتسمت بها كاميرا ''هابل'' قد حصلت على صور عالية الدقة والوضوح، لمساحات شديدة الاتساع والغنى بتنوع المواد المعدنية الموجودة في سطح القمر القريب من الأرض، بواسطة الأشعة فوق البنفسجية وتقنية التصوير الضوئي العادي· كما تمكنت الكاميرا ذاتها من التقاط المواقع التي هبطت فيها المركبتان الفضائيتان أبولو 15 وأبولو 17 حيث تمكن رواد الفضاء من التقاط صخور وعينات من تربة القمر خلال الرحلتين الفضائيتين اللتين اتجهتا إليه في عامي 1971 و·1972
ومن أهم المواقع التي التقطت منها الصور الحديثة ''هضبة أرستارشوس'' التي يعلق الباحثون أهمية كبيرة عليها من الناحية الجيولوجية، بالنظر إلى كثافة نشاطها البركاني، وكثرة قنوات وأنابيب حمم ''اللافا'' فيها، إلى جانب غنى فوهاتها البركانية بالمواد المعدنية التي لا تزال تواصل تأثيرها الجيولوجي على سطح القمر· هذا وتذهب تقديرات مساحة فوهة بركان ''أرستارشوس'' إلى أن عرضها يصل نحو 26 ميلاً وعمقها ميلين كاملين، أما عمرها فلا يتجاوز المئة مليون عام على حد قول العلماء· وبما أنها على كل هذا القدر من الشباب والحداثة، فإنها لا تزال غنية جداً بالمواد المعدنية التي يقدر العلماء أهميتها وقيمتها في الكشف عن التنوع الجيولوجي الكبير الذي تزخر به المنطقة التي تم تصويرها من سطح القمر· ذلك هو ما أدلى به مارك روبنسون، أستاذ الجيولوجيا الفضائية بجامعة ''نورث ويسترن'' بإيفانستون· وأضاف روبنسون قائلاً في وصف الأهمية الجيولوجية لـ''هضبة أرستارشوس'' إنها مشققة عند الأطراف ومنبعجة الجوانب، الأمر الذي يكشف عن طبقاتها وتكوينها الداخلي، ويمكن العلماء من دراسة ما تحت سطحها الخارجي·
هذا وقد أظهرت الصور التي جرى التقاطها بواسطة منظار ''هابل'' مجموعة متنوعة من المواد المعدنية، من بينها على سبيل المثال حجارة البازلت البركانية، والزبرجد الزيتوني الذي يوجد عادة في الصخور والحجارة البركانية، ومعدن الأنورثيت المكون للصخور والحجارة النارية، ثم الإلمنيت، وهو معدن حديدي، يتألف عادة من الحديد والتيتانيوم وغاز الأوكسجين· وقد أثار هذا المعدن الزجاجي الأخير بالذات فضول العلماء واهتمامهم، لكونه الأكثر احتمالاً لأن يكون مصدراً لغاز الأوكسجين، ويمكن الاستفادة منه وتوظيفه في الرحلات الفضائية المستقبلية للقمر· ومما يزيد من تفاؤل العلماء بهذا المصدر المهم للأوكسجين، أنه في الإمكان استخلاص الأوكسجين عن طريق التسخين أو بواسطة المعالجة الكيماوية، مع العلم بأنه لا توجد أدنى مشكلة في استخدام كلتا الطريقتين أو أي منهما في استخلاص الغاز من مصادره المحتملة في سطح القمر· وحتى الآن تؤكد كل الدراسات الحالية والسابقة التي أجريت على فوهة وموقع ''أرستارشوس'' وجود كميات وتركيزات كبيرة من معدن الإلمنيت فيهما·
وتعود هذه الاكتشافات إلى عام ،1972 حيث تمكنت رحلة أبولو 17 من التقاط عينات منه، تم العثور عليها في الموقع المذكور· وبفضل تلك العينات، فقد تمكن العلماء من دراسة المكونات الجيولوجية للموقع، وبفضلها أيضاً، استطاع العلماء مقارنة ما توصلت إليه القراءات السابقة التي توصل إليها منظار ''هابل'' المختص برصد سطح الأرض، بالمكونات الجيولوجية لمناطق أخرى من سطح القمر· أما القيمة العلمية الرئيسية التي تنطوي عليها هذه الصور والدراسات الأخيرة -موضوع المقال- فتكمن في الدفعة الكبيرة الت