إن من أهم العناصر لتحديد معالم الشخصية الوطنية للشعوب هو معرفة دورها في التاريخ ورسالتها التي تحملها عبر الأجيال· وهذه هي اللحظة الفارقة في تاريخ تركيا الحديث· فمنذ الثورة الكمالية، اختارت القيادة السياسية التركية الاتجاه نحو الغرب وتقليده· فالغرب هو نموذج التحديث الوحيد بعد أن تباطأ الإصلاح، ولم ينجز الكثير· ووصلت اليونان إلى أبواب أنقرة كما وصلت الدولة العثمانية من قبل إلى أبواب فيينا· ولم يعد أنصار الخلافة قادرين على الصمود أمام حركة التاريخ التي تدفع نحو الجديد دون القديم، بعد أن استرعى الجديد الانتباه، ولفت الأنظار، في حين عجز القديم عن حماية الأوطان، وتكلس في أقبية التاريخ·
وبالرغم من تعثر هذا النموذج على مدى نصف قرن، وحدوث رد فعل عليه بالحنين إلى الماضي كما عبر عنه حزب ''الرفاه'' بقيادة نجم الدين أربكان، والدخول في معارك شكلية مثل الحجاب والمدارس الدينية أو اللجوء إلى الحمية الدينية، وإحياء مشاريع الوحدة الإسلامية، وإثارة الجيش حامي الثورة الكمالية، إلا أنه استمر على نحو معتدل ومتوازن عند أنصار انضمام تركيا إلى الوحدة الأوروبية· فجزء من تركيا في أوروبا، وحضور الأولى في الثانية واضح للعيان· وقد كان الخليفة العثماني حتى القرن الماضي في مركز ثقل سياسي واقتصادي في أوروبا· والآن يحدث رد فعل جديد على هذه الهرولة بالاندفاع نحو الغرب لدى أنصار التوجه نحو الشرق· في مقابل ''ريح الغرب'' ظهر رد فعل متمثل في ''ريح الشرق''· ورسالة تركيا التاريخية هي التي تحدد الاختيار·
ليست تركيا فقط موقعا جغرافيا يتنازع عليه أنصار ريح الغرب وأنصار ريح الشرق· فتركيا جغرافياً، حلقة اتصال بين الشرق والغرب عبر مضيقي الدردنيل والبوسفور كما أن مصر حلقة اتصال بينهما أيضا عبر قناة السويس· نصفها في آسيا سيناء، ونصفها الآخر في أفريقيا، وادي النيل· وليست تركيا كيانا سياسيا يقبله الغرب بسهولة إلا امتدادا للنفوذ الغربي من خلال حلف شمال الأطلسي نحو الشرق؛ روسيا والصين· وليست فقط كيانا اقتصاديا فمستوى الدخل القومي للفرد في تركيا أقل منه في أوروبا· وليست فقط كيانا اجتماعيا فمازال ملف حقوق الإنسان في تركيا مفتوحا، وكذلك ملف القبارصة اليونانيين في الجنوب، والأكراد في الشرق· إنما القضية هي الكيان الثقافي· فتركيا دولة إسلامية والغرب مسيحي· تزعمت العالم الإسلامي، ومن الصعب أن تكون طرفا للمركز الأوروبي· العادات والتقاليد والثقافة في تركيا غير متجانسة مع العادات والتقاليد والثقافة في الغرب· وفرق بين إعلان المبادئ، قبول انضمام تركيا إلى الوحدة الأوروبية بعد عقد من الزمان ، والقبول الفعلي والاختلاط بين الشعوب·
إن الاندفاع نحو الغرب منذ الثورة الكمالية حتى أنصار ريح الغرب والانضمام إلى الوحدة الأوروبية تقابله صعوبات جمة· فهناك عداء تقليدي في الغرب تجاه تركيا· إذ يعتبرها الغرب دولة آسيوية تمثل جزءا من الأراضي الأوروبية، وتجعل فيها عاصمتها التاريخية وجامعها الأزرق· حولت كنيسة أياصوفيا إلى مسجد ثم إلى متحف· استولت على عاصمة الإمبراطورية الرومانية، القسطنطينية، وعاصمة المسيحية الغربية· ووصلت جيوش الإمبراطورية العثمانية حتى أبواب فيينا بعد أن اجتاحت دول البلقان وأدخلت الإسلام بين شعوبها حتى أصبحت دولا بأكملها إسلامية مثل البوسنة والهرسك وألبانيا· واستفحلت الهجرات التركية إلى الغرب خاصة في ألمانيا، وكونت أكبر جالية إسلامية فيها· وكانت صورة التركي في الأدب الغربي صورة المتعصب، الجاهل، زير النساء، القاتل، المتآمر، الغادر، القاسي، الحسي، القاهر· ومن هنا نشأ تعبير ''رأس تركي'' وبتعبيرنا ''الدماغ الحجر''· أصبح هو الغريب والدخيل مع الفارسي كما صور مونتسكيو في ''رسائل فارسية''· ومشكلة أوروبا حاليا وقف المد الإسلامي القادم إليها من الشرق، تركيا وباقي الدول الآسيوية مثل باكستان، والقادم من الجنوب (المغرب العربي)، إن لم تستطع وقف تحول الأوروبيين أنفسهم إلى الإسلام· بل إن أوروبا نفسها متجهة نحو الغرب، عبر المحيط الأطلسي، نحو الولايات المتحدة الأميركية اعتمادا عليها في الدفاع والحماية والأمن من خلال حلف شمال الأطلسي· وتمنع المركزية الأوروبية والتي تقوم على أسس عرقية وحضارية من أن تمتد شرقا وإلا ضاعت هويتها· تركيا بالنسبة للغرب هو مجالها الحيوي، وامتداد لدفاعها وأمنها من حدودها الشرقية ضد اندفاع روسيا والصين نحو الغرب من خلال الامتداد الجغرافي عبر الأورال· تستعمل أوروبا تركيا لصالح أوروبا· لذلك قبلت تركيا بسهولة عضوا في حلف شمال الأطلسي، ولكن تقف أمامها عقبات كبرى للانضمام إلى الوحدة الأوروبية· فتركيا تعمل لصالح الغرب ولا يعمل الغرب لصالح تركيا·
وقد استيقظت تركيا أخيرا عندما قادها الطريق الثالث الممثل في حزب ''العدالة والتنمية'' بين ''الكمالية'' و''الأربكانية''، بين العلمانية والسلفية، كطرفي نقيض· واستطاعت أن تقيم انتخابات برلمانية حرة· ورفضت مرور قوات التحالف الأميركي البريطاني عبر