خلال النصف الأول من القرن العشرين، كانت أوروبا هي الممارس الرئيسي لرعب الدولة· فقد أظهرت النازية والستالينية المخاطر الرهيبة الكامنة في استخدام سلطة الدولة لتنفيذ تجارب سياسية واسعة النطاق· وبعد الحرب العالمية الثانية، صمم الأوروبيون على السعي لتحقيق التقدم من خلال التغيير التدريجي التوافقي الذي جاء المشروع الأوروبي تعبيرا عنه، وأظهرت أوروبا المسالمة والغنية التي برزت خلال النصف الثاني من القرن الماضي أنها قد تعلمت من دروس التاريخ·
وكما يقول'' توني جادت'' في الكتاب الذي نقوم بعرضه هنا وعنوانه:''ما بعد الحرب: تاريخ أوروبا منذ ،''1945 فإن هذا الشعور بالرضا عن النفس يقوم- جزئيا - على وعي زائف· فالحرب العالمية الثانية، أدت إلى انقسام أوروبا، كما أن الدول التي وقعت تحت هيمنة الاتحاد السوفييتي، عانت من القهر الشمولي بعد الحرب العالمية الثانية أكثر من 40 عاماً، قبل أن تسترد حقها في الحياة الحرة· أما عملية إعادة بناء أوروبا الغربية، فقد تأثرت هي الأخرى تأثراً عميقاً بتراث سنوات الحرب· علاوة على ذلك، فإن النازية - في النهاية- ظاهرة أوروبية بحتة، وبقيامها بارتكاب جريمة ''الهولوكوست'' فإنها طرحت أسئلة بقيت دون إجابة حتى الآن·
هناك الكثير من الكلام المنمق عن'' القيم الأوروبية''، ولكن السؤال هو: هل تلك القيم تشمل أيضا القيم العنصرية والمضادة للسامية التي ساعدت على وصول هتلر للسلطة؟
وإذا ما كانت تلك القيم لا تشمل ذلك، فما هي إذن ''القيم الأوروبية'' الحقيقة؟ لقد تم تجنب تلك الأسئلة في نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي لا تزال دون إجابة حتى اليوم· إن نهاية الحرب الباردة أعادت تعريف القارة، لكنها لم تؤكد هوية جديدة لأوروبا· وحتى بعد مضي خمسة أعوام على بداية القرن الحادي والعشرين، فإن معنى أوروبا لا يزال غير محدد اليوم مثلما كان عليه الحال من قبل· ويقول المؤلف إنه بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وفتح السجلات في روسيا وغيرها، فإن الكثير مما كان مجهولاً أصبح ظاهراً للعيان· وبعد أن اختفت النشوة التي صاحبت السقوط السوفييتي، فإن الخطوط البارزة للمشهد الأوروبي أصبحت أكثر وضوحاً· وهو يوضح أن كتابه في المقام الأول هو تأريخ لعملية تقلص الدور الأوروبي وفقدان القارة لوضعها الإمبراطوري والدولي· ولكن الحقيقة من وجهة نظرنا أنه لا يقتصر على ذلك فقط، إنما يضم الكثير غيره، وهو عبارة عن لوحة فنية تاريخية رائعة، حيث يعطينا صورة بالغة الوضوح لأوروبا على مدى الستين عاما الماضية، التي شهدت فيها التفاعلات بين شرقها وغربها، وشهدت تداخلاً بين العوامل السياسية والجيوبوليتيكية·
والموضوع الذي يركز عليه المؤلف هو القارة الأوروبية التي بدت عام 1940 كموطن لحضارة فاشلة، والتي تمتعت مع ذلك وعلى مدار الخمسين عاما التالية بتاريخ متصل من السلام والحرية (على الأقل في نصفها الغربي)· وقد شهدت السنوات القليلة الماضية لهجة لاذعة وعنيفة في الحوار الدائر بين جانبي الأطلسي حيث قام ''المحافظون الجدد'' في أميركا بتوبيخ أوروبا على ما وصفوه بضعفها في التعامل مع الإرهاب، وقام الأوروبيون من جانبهم بالرد من خلال التركيز على حقيقة امتلاكهم لحكمة متفوقة مستمدة من تاريخهم الكارثي القريب·
ومن موقعه ككاتب بريطاني يعمل في جامعة أميركية، يحاول المؤلف النأي بنفسه عن هذا التراشق اللفظي، ويقدم للقراء تقييما منصفاً بشكل يدعو للإعجاب لإنجازات أوروبا وإخفاقاتها· وفي النهاية وعلى الرغم من جميع وصمات أوروبا الشنيعة، فإن الكاتب يُنهي بحثه الدقيق الذي يضمنه هذا الكتاب بإعلان إيمانه بمستقبل أوروبا·
يقول المؤلف إنه ''اعتبارا من عام ،2005 فإنه لا أوروبا ولا الصين سيكون لديها نموذج صالح يمكنها أن تقترحه على العالم كي يقوم بتقليده· وعلى الرغم من الأهوال التي شهدها تاريخها القريب - وإلى حد كبير بسبب هذا التاريخ- فإن الأوروبيين لا غيرهم هم الذين يتمتعون اليوم بوضع فريد كي يقدموا للعالم نصيحة متواضعة بشأن الكيفية التي يمكن بها تجنب الأخطاء التي وقعوا فيها· وعلى الرغم من أن أفراداً قلائل كان بإمكانهم أن يتنبأوا بذلك منذ 60 عاما خلت، فإن القرن الحادي والعشرين ربما لا يزال ينتمي إلى أوروبا''· لاشك أن هذا يمثل استنتاجا حصيفا، سيتم الترحيب به على نطاق واسع في أووربا بالذات· ولكن قد يكون من المناسب هنا أن نطرح سؤالا عما إذا كان المؤلف في سياق صياغته لهذا التقييم، قد ضحى بالواقعية من أجل رفع الروح المعنوية للأوروبيين؟
إن تقلص أوروبا والذي يعتبر هو الموضوع الذي التي لا يفتأ المؤلف يعود إليه من وقت لآخر في ثنايا كتابه لم ينته في السنوات التي تلت عام 1945 مباشرة·
فالمفارقة أن ذلك قد استمر حتى عندما قام الاتحاد الأوروبي بالتوسع شرقاً في أعقاب سقوط الاتحاد السوفييتي· فالواقع أن التوسع شرقاً، قد قلص من قدرة الاتحاد الأوروبي على العمل كقوة متماسكة في الشؤون الدولية، كما أن عملية تعريف ماهية أوروبا قد ازدادت صعوبة بسبب جو