احتفل العالم - إذا صح التعبير - يوم الاثنين الماضي بيوم الإيدز العالمي، والذي يوافق الأول من شهر ديسمبر من كل عام· وعلى رغم أن جزءاً كبيراً من أنشطة وفاعليات وتصريحات هذا العام، يشابه إلى حد كبير مع ما قيل في احتفالات الأعوام السابقة، إلا أن هذا العام حمل معه خطة طموحة لم يشهد الصراع المصيري بين الجنس البشري وبين هذا الفيروس اللعين مثيلا لها منذ فترة طويلة· هذه الخطة يسميها القائمون عليها باسم : (5 X 3) في إشارة إلى هدفها الطموح الرامي إلى توفير الأدوية المضادة لفيروس الإيدز لثلاثة ملايين شخص بحلول عام ·2005 وهو الهدف الذي يتفق الجميع على أنه أصبح حيويا وضرورياً جداً، إذا ما كان لنا أن ننقذ حياة الملايين من البشر ونوقف انتشار طاعون العصر·
وبدل أن نعرض بمناسبة هذا اليوم لمدى انتشار مرض المناعة المكتسبة (الإيدز) في دول ومناطق العالم المختلفة، يمكن أن نتوقف قليلا عند بعض الاحتفالات أو الأحداث التي جرت أول من أمس، علّنا نستشف منها مدى القلق الذي أصبح يتملك رؤساء وزعماء بعض الدول والشعوب في بعض مناطق العالم، وأيضا مدى فداحة الموقف الحالي والتوقعات المستقبلية في بعض المناطق الأخرى· ففي الصين قام رئيس الوزراء الصيني )oabaiJ neW( بزيارة غير مسبوقة لعنبر مرضى الإيدز في أحد مستشفيات العاصمة بكين· وهو ما اعتبره المراقبون دلالة على الأهمية السياسية التي وصل إليها الإيدز في الصين وفي بقية مناطق العالم· فتأثير الإيدز لا يقتصر على الجانب الطبي المرضي فقط، بل يتعدى ذلك إلى جميع أوجه الحياة وخصوصا التركيبة السكانية والوضع الاجتماعي-الاقتصادي للدولة، فلأن الفيروس يصيب ويقتل غالباً الشباب وصغار السن، أدى ذلك إلى فقدان الدول المستوطن فيها الفيروس لجزء كبير من الأيدي العاملة الفتية، وهو ما كان له تأثير سلبي واضح على الكثير من الصناعات· وبما أن الصناعات الصينية في هذه المرحلة من تطورها، تعتمد بشكل أساسي على الأيدي العاملة الرخيصة والوفيرة، أصبح الصينيون يخشون من تأثير الإيدز على قدراتهم التنافسية في العقود القادمة· ويخشى الخبراء أن انتشار المرض في القارة السمراء، والذي استغرق فقط عقدين من الزمان، قد بدأ يحدث أيضا بشكل مماثل في القارة الصفراء والتي لا يزال المرض فيها في مراحله الأولى نسبيا· ففي تقرير لبرنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز )sdiANU(، حذر الخبراء من أن الصين على شفا انفجار وبائي لانتشار الفيروس لم يسبق له مثيل· وقدر التقرير عدد المصابين بالفيروس في الصين في نهاية العام الماضي بحوالى 1,5مليون شخص· أي أن عدد المصابين بالفيروس في الصين تضاعف ثلاث مرات خلال عامين لا أكثر، حيث كان يقدر في عام 1999 بحوالى نصف مليون مصاب فقط· ويقدر التقرير أيضا، أنه بحلول عام 2010 سيصل عدد المصابين في الصين، إلى أكثر من 10 ملايين شخص· هذه الأرقام المفزعة تعتبر سبب القلق الشديد الذي أصبح يجتاح القيادة الصينية الحالية على مستقبل وطنها· فغير الثمن الإنساني والجوانب الاقتصادية، من الممكن أن يتحول وباء الإيدز في الصين إلى مصدر للاضطرابات الداخلية، بسبب ما يراه البعض تقصيرا من الحزب الحاكم في مواجهة الوباء·
الحدث الآخر الذي شهده يوم الإيدز هذا العام والجدير بالذكر هنا، هو قيام ابنة رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد، بافتتاح معرض للإيدز في العاصمة كوالا لامبور، صرحت فيه قائلة إن هذا المرض يخضع لحالة شديدة من النكران )lained fo etats( في بلدها· وهو ما يجرنا للحديث عن الإيدز في العالم الإسلامي والعالم العربي على وجه الخصوص· فبخلاف الإعلان غير المعتاد من المملكة العربية السعودية عن عدد حالات الإيدز فيها في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر الماضي والذي وصل إلى قرابة السبعة آلاف حالة، لا زال الكثير من الحكومات والجهات الصحية في الدول العربية، يحاول التغطية على أو إنكار أو التعامل بسرية مع عدد حالات الإيدز بين مواطنيها· وليس من الواضح سبب هذه السياسة، أهو الحياء؟ أم مخافة إثارة الرعب بين العامة؟ أم أسباب أخرى يتعذر على البسطاء مثلي إدراكها؟ ففي التقرير الأخير لبرنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز، يذكر القائمون عليه أن درجة انتشار المرض في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا زال منخفضا، ما عدا جنوب السودان والذي أصبح الوباء منتشرا بين سكانه· فحاليا يوجد في المنطقة ما بين 470 - 730 ألف حالة، وهو ما يشكل حوالى 1,6 في المئة من مجموع حالات الإيدز حول العالم· ولكن يضيف التقرير أنه في عام 2003 فقط، سوف يضاف إلى هذا العدد ما بين 43 - 67 ألف حالة، مع التوقع بوفاة ما بين 35 - 50 ألفاً من بين المصابين في العام نفسه· ويحذر التقرير أيضا من أن المنطقة سوف تشهد زيادة في عدد الحالات هي من بين الأعلى في العالم وبمعدل 75 في المئة خلال السنوات القادمة، لتتساوى بذلك مع زيادة عدد الحالات المتوقع في آسيا والصين، ولتزيد بمقدار النصف عن الزيادة المتوقعة في عدد الحالات في أفريقيا جنوب الصحراء