أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الإيراني حول إسرائيل ما كان متوقعاً أن تثيره من ردود أفعال عالمية واسعة النطاق شديدة الحدة· في السادس والعشرين من الشهر الماضي وقف محمود أحمدي نجاد ليلقي خطابه أمام مؤتمر ''عالم بدون صهيونية'' الذي نظمته اللجان الإسلامية لطلاب المدارس في إيران، ويفجر في هذا السياق قنبلة شديدة التأثير سياسياً وإعلامياً بحديثه عن ''محو'' إسرائيل أو إزالتها من الخريطة· جاءت ردود الأفعال بالسرعة المتوقعة في حدث كهذا إذ كادت تكون فورية، فعندما تُمس إسرائيل لا مجال للدراسة أو التفكير أو حتى القراءة المتأنية للنصوص· استدعت الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية والفاتيكان أكثر مفردات لغاتها حدة لتعبر عن صدمتها بتصريحات الرئيس الإيراني ورفضها المطلق لها، وزادت إسرائيل بأن طالبت بطرد إيران من الأمم المتحدة كونها على حد تعبير شيمون بيريز المرة الأولى منذ إنشاء الأمم المتحدة عام 1945 التي تطالب فيها إحدى الدول الأعضاء بالمنظمة الدولية علانية بتدمير دولة أخرى من أعضاء المنظمة، والطريف أن بيريز في غمرة الحماس لإدانة الموقف الإيراني قد أعطى دون أن يدري شهادة براءة للدول العربية من تهمة السعي إلى ''إلقاء إسرائيل في البحر'' التي حاولت الدعاية الإسرائيلية طويلاً أن تلصقها بها· ولم تكن تصريحات بيريز وحدها مصدر الطرافة في الموضوع، إذ إنه وفقاً لما نقلته الصحف فإن نجاد قد بشر أيضاً بعالم ''خالٍ من أميركا والصهيونية'' مؤكداً أن هذا ممكن، ووجه الطرافة هنا أن ردود الفعل الغاضبة من تصريحاته -بما فيها ردود الفعل الأميركية- لم تشر إلى موقفه من ''أميركا'' بحرف وإنما ركزت فقط على الضحية الإسرائيلية في ظاهرة تعد دليلاً جديداً على هوس التأييد لإسرائيل في الأوساط العالمية·
لم أقرأ النص الرسمي لخطاب نجاد بكل أسف لكنني تابعت كل ما نشر عن مضمون الفقرة/ القنبلة التي تضمنت حديثه عن إسرائيل· ومن الأهمية بمكان في مثل هذه الظروف أن تجري محاولة لتدقيق التصريحات قبل إصدار الأحكام، ولنتذكر أولاً أن الرجل قد أدلى بخطابه أمام مؤتمر عنوانه ''عالم بدون صهيونية''، وهو شعار سليم جدير بالاحترام بالنسبة لكل من يعتبرون الصهيونية تجسيداً لفكرة عنصرية انتهى بها الحال إلى أن ترتبط بواحدة من أشرس حالات الاستعمار الاستيطاني في التاريخ، وإذا كانت الظروف الواقعية قد دفعت بدول عربية -بل بالفلسطينيين أنفسهم- إلى التعامل مع دولة إسرائيل فإن هذا لا يعني عدم تكييف ما يجري على أرض فلسطين بأنه حرب تحرير وطنية· ومن ثم فإن شعار ''عالم بلا صهيونية'' يعني بالنسبة لنا عالماً تتم فيه تصفية الطابع العنصري الاستعماري للأيديولوجية الصهيونية وبالذات من منظور تطبيقها على أرض فلسطين·
وما بين الشعار السليم الجدير بالاحترام للمؤتمر والخطاب الذي ألقاه الرئيس الإيراني أمامه تكمن المشكلة بالنسبة لحلفاء إسرائيل، فقد دعا الرجل إلى إزالة إسرائيل من الوجود معيداً إلى الأذهان الخطاب السياسي للإمام الخميني الذي دعا علناً إلى تعبئة العالم الإسلامي للقضاء على الوجود الصهيوني والإسرائيلي في فلسطين ومؤسساً لقطيعة في الخطاب السياسي الإيراني الذي تبنى في عهدي رفسنجاني وخاتمي مبدأ ''نقبل بما يقبل به الفلسطينيون''، ومعتبراً أن القضية الفلسطينية لا تنتهي إلا بإقامة دولة على كامل التراب الفلسطيني تديرها حكومة فلسطينية وعودة جميع اللاجئين الفلسطينيين، ومضيفاً أن الذين جاءوا إلى فلسطين من مناطق أخرى لا يحق لهم اتخاذ القرار بشأن فلسطين·
لا يبدو مما سبق في تقديري أن الرجل يتحدث عن إزالة ''مادية'' للكيان الإسرائيلي، وإنما هو أقرب بكثير إلى الحل الذي تضمن تسوية للكيان العنصري في جنوب أفريقيا: يبقى المستعمرون إن شاءوا لكن القرار يعود إلى الأغلبية الوطنية السوداء، ويتفق هذا مع مضمون البيان الذي أصدرته السفارة الإيرانية بالعاصمة الفرنسية والذي أوضح أن محتوى تصريحات الرئيس الإيراني يتمثل في أن الصهيونية التي تقوم على احتلال أراضي شعب آخر وممارسة التمييز محكوم عليها بالزوال بسبب يقظة المجتمعات الإسلامية·
ولو كان الأمر كذلك فإن السؤال يثور على الفور: لماذا الإصرار من قبل بعض الساسة على الإدلاء بتصريحات على نحو يضر بأكثر مما ينفع؟ وما الذي كان سيضير الرئيس الإيراني فيما لو أنه قال إن الأيديولوجية الصهيونية قد أفضت إلى واحدة من أبشع تجارب الاستعمار الاستيطاني في العالم، وإن أيديولوجية كهذه لابد وأن يكون مصيرها إلى الزوال وعودة الحقوق لأصحابها؟ لا يعني هذا بطبيعة الحال أن العالم كان ليرضى عن تصريحاته بهذه الطريقة، لكنه كان قادراً لو أخرج تصريحاته على نحو أكثر حنكة على أن يضع خصومه في حرج كونه يتحدث عن حقوق شعب مهدرة ينبغي استعادتها· أما الطريقة التي خرجت بها تصريحاته فإنها لم تسبب له سوى خسارة إعلامية وسياسية فادحة لعل الكاريكاتير الذي نشر في إحدى كبريات الصحف العربية قد عبر عنها أحسن تعبير عندما رسم نجاد مح