تتميز أجهزة الاستخبارات العربية عموما بالغباء المكشوف، ولقد ضربت مثلا بذلك في مقال كتبته في هذه المساحة في شهر فبراير الماضي، في النكتة المشهورة عن مخابرات دولة عربية، حين قامت بتعذيب حمار لكي يعترف بأنه غزال!
وعقب ساعات فقط من وقوع جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان الراحل الشهيد رفيق الحريري، بثت قناة (الجزيرة) الفضائية، شريطا قالت إن مكتبها في بيروت تسلمه، ويحوي تسجيلا لشخص ملتحٍ، شبيه بأحد متخلفي جماعة ''القاعدة''، يطلق على نفسه ''أبوعدس''، ثم تلا بيانا على طريقة الجاهل ''الزرقاوي''·· ''أبوعدس'' هذا زعم في البيان أنه يتحدث باسم جماعة مجهولة تطلق على نفسها (النصرة والجهاد في بلاد الشام)!!·· وزعم أن الجماعة ''نفذت القصاص العادل في رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري''؟!·
عندما تم الترويج لمثل هذه السخافة التي لا يمكن لأي عقل أو منطق تصديقها، كان واضحا أن العملية كلها''فبركة في فبركة''، وأن الشريط عبارة عن عمل غبي من الأعمال التي اعتادت على إخراجها بعض أجهزة الاستخبارات التي تضرب الحمير لكي تقر وتعترف بأنها غزلان وليست حميرا!
أما بث هذا الشريط عبر (الجزيرة) فقد كان سقطة إعلامية كبيرة تضرب بأخلاقيات المهنة الإعلامية عرض الحائط· فلم يكن هناك أدنى شك في أنه شريط ''أي كلام'' وملفق، وتم تصويره بسرعة وبغباء يحسد عليه أولئك الذين أخرجوه بهذه الطريقة·· كما أن أي إعلامي لديه أدنى درجة من الوعي والذكاء، أدرك أن التسجيل الغبي للمدعو ''أبوعدس''، سرب بهدف مقصود لتضليل مجريات التحقيق··
اليوم، وبعد نشر تقرير لجنة التحقيق الدولية ''لجنة ميليس''، صدق ما قلناه وما أ شرنا إليه في حينه·· فالتحقيقات كشفت أنه لا توجد منظمة اسمها ''النصرة والجهاد في بلاد الشام'' ولا دخل لأية جهة متطرفة في عملية الاغتيال، وأن العملية كلها تدخل ضمن المخابرات الغبية التي عذبت الحمار لكي يعترف بأنه غزال··
فقد كشف تقرير ''ميليس'' الصادر الأسبوع الماضي، ما استنتجناه هنا في حينه عقب ارتكاب الجريمة وبث الشريط·· حينها قلنا إن هذه مسرحية مفبركة بصورة مخابراتية غبية جدا، وبخديعة تغلفها الكثير من السطحية، وأنها لن تنطلي على من يحمل ذرة عقل وتفكير في رأسه·· وجاء التقرير الدولي ليؤكد صدق ما توقعناه، فقد قال ''ميليس'' في التقرير ''إن استعمال وذكر اسم أبو عدس لم يكن سوى لتضليل التحقيق''·· وإن الشريط قد أرسل من خارج لبنان خصيصا الى الجزيرة وهذا الاستنتاج الدولي الذي لا نشك فيه، يعيد إلى الأذهان مسألة أخلاقيات المهنة الإعلامية والمصداقية في نقل أي حدث أو أمر مهم، فقد أراد المذيع في ذلك اليوم الذي بثت فيه القناة الشريط المذكور، أن يضفي هالة من المصداقية على محتواه ويبعد عن المشاهدين أية شكوك حوله!
ومسألة بث أي شريط فيديو يرد إلى أية قناة فضائية، بغض النظر عن فحواه وما يحويه، أمر في غاية السذاجة، ويضرب في الصميم كل المبادئ والمثل التي تحكم أخلاقيات المهنة الإعلامية· وقد وقعت (الجزيرة) عدة مرات في هذا المحظور، كما سقطت عدة قنوات وفضائيات من قبل السقطة ذاتها قبل أن تتدارك خطورة ما ترتكبه وتتراجع عن بث الغث مما يرد إليها·
تقرير ''ميليس'' فضح بعض الإعلاميين العرب الذين ما زالوا يضحكون على عقول وأذهان الشعوب العربية بشعارات جوفاء·