لقد وصلت جمرة الإرهاب إلى ثيابنا بعد أن أعتقدنا أننا محصنون ضدها· السعودية والكويت هما الدولتان المؤهلتان أكثر من غيرهما من دول مجلس التعاون للعمليات الإرهابية· ومع ذلك لا شيء يمنع الإرهابيين من نقل العنف إلى الدول الأخرى لضرب المنشآت العسكرية الأميركية· وكلنا يتذكر المظاهرات التي حدثت في البحرين ضد الوجود الأميركي· والسؤال: هل يمكن القضاء على الإرهاب بقوة المباحث والسيف والبندقية كما قال وزير داخلية السعودية؟
من حيث المبدأ، العنف ظاهرة لصيقة بالشخصية البشرية وتتعامل مع كل الحكومات مثل السطو على البنوك وجرائم القتل والاختطاف والاغتيال، لكن العنف المؤدلج هو المشكلة الآن· الإرهابي المتسلح بالفكر الذي يزيّن له كل ما يفعل باعتباره واجباً شرعياً، أكثر خطراً من الرصاصة والقنبلة· ومطلوب الآن من الدول الخليجية أن تعمل في خطين متوازيين: ردع العنف بالثورة المسلحة بتوظيف كل الجهود الاستخباراتية والأمنية لمنع الحدث قبل وقوعه، وكذلك إقناع الشباب بخطأ الفهم الأيديولوجي لسياسة العنف تجاه الآخر· ومن المضحك أن هذه الدول تستعين برجال الدين لتصحيح المفاهيم المنحرفة دينياً لدى الشباب، فكأنك يا بوزيد ما غزيت·
العنف طاقة· لذلك يجب تفريغ شحنات هذه الطاقة من نفوس الشباب، خاصة أولئك الذين يركز عليهم التيار الديني ممن هم دون سن العشرين· هؤلاء هم الوقود الاحتياطي للإرهابيين، لذلك يجب إبعادهم عن المؤسسة الدينية، ودفعهم إلى استغلال مواهبهم الفنية والعلمية والرياضية والفكرية، لأن وجودهم في المؤسسة الدينية حتى ولو كانت رسمية،يتيح المجال للمتطرفين والمتشددين والموجودين بكثرة في هذه المؤسسة، لاستقطاب الشباب سواء من خلال الأنشطة الدينية أو حلقات تحفيظ القرآن أو دروس الوعظ· لذلك يجب تقليل الجرعة الدينية لدى هؤلاء المراهقين قدر الإمكان، ويخطئ المسؤولون إذا اعتقدوا أنهم قادرون على مراقبة المؤسسة الدينية مراقبة فعالة· يجب افتتاح المزيد من الأندية مع إبعاد المتدينين عنها، والورش الفنية، وتشجيع روح التأليف الأدبي والشعري والعلمي بإقامة المهرجانات الفنية والشعرية والعلمية، وتنمية روح التنافس بينهم·
هذا التوجه يجب أن يمتد إلى المناهج الدراسية بإبعاد المدرسين من ذوي الميول الأيديولوجية عن التدريس حتى لا يتم نقل الأفكار المتطرفة للأطفال والمراهقين والشباب عن طريق شرح آيات الجهاد مثلاً وتفسيرها بما يشجع على العنف· لذلك يجب أن يكون التعليم في المقام الأول، وتقليل حصص الدين بما هو ضروري للتعليم، بالتركيز كبديل، على اللغة العربية والأجنبية، والدراسات الأدبية، فمن المعروف أن أولادنا ضعفاء علمياً ومعرفياً ولغوياً، بل إنهم يعجزون عن الكتابة العربية السليمة حتى بتنا أضحوكة لدى الآخرين، ونحن خَلَف أمة العرب· وأعتقد أن جزءاً كبيراً من هذا الضعف يعود إلى زيادة جرعة التدريس الديني على حساب العلوم الأدبية والعلمية الأخرى، ناهيك عن ضعف محتوى المناهج التربوية في مجال العلوم الاجتماعية، ولا يمكن تجاهل حقيقة أن أكثر من تسعين في المئة من أبناء مجلس التعاون لا يعرفون ما هي الديمقراطية؟
استئصال الإرهاب لا يمكن أن يتم بشكل كامل وأن يحسم بقوة السلاح· وإذا فشلنا في حماية الجيل الحالي من التطرف، فلا أقل من توفير سبل الحماية الفكرية من الآن، للأجيال القادمة·