لم يكن حدثاً عادياً أن يتوجه ملايين العرب لأول مرة في تاريخهم للاستفتاء على دستور صاغه ممثلوهم في الجمعية الوطنية، وذاك ما جرى في كافة أنحاء العراق منتصف هذا الشهر، وقد كانت نتيجة الاستفتاء نجاح العراق، ولم يرسب أحد·
صحيح أن الدستور قد رفضته بالأغلبية المطلوبة في محافظتين هما الأنبار وصلاح الدين بنسبة 96,1% و81,1% على التوالي، كما رفضته محافظة ثالثة هي نينوى (الموصل) بنسبة 55,1%، وهو رفض قصر بنسبة ثمانية وثمانين ألف صوت عن العدد المطلوب كي يتم رفض الدستور وتعاد صياغته من جديد، ولكن الحقيقة التي لا تقبل الجدل أن غالبية العراقيين المسجلين في قوائم الانتخابات قد شاركوا في الاستفتاء، وتلك حقيقة تعني أن غالبية العراقيين -بكافة طوائفهم وقومياتهم - قد قبلوا الولوج في العملية السياسية، وذلك بغض النظر عن نتائج التصويت·
الذين فرحوا للنتيجة النهائية، عليهم أن يفرحوا لأن غالبية العراقيين قد شاركوا، لا أن يفرحوا لأن النتيجة جاءت لصالح رغبتهم، وعليهم أن يدركوا أن نسبة التصويت في محافظات الجنوب قد تراجعت (54% في واسط و56% في كل من النجف والقادسية و54% في ذي قار) بل إن عشر محافظات لم تصل نسبة مشاركتها إلى 60%، وبالتالي فإن النجاح للدستور لم يكن اكتساحاً، وعليه فإن الانتخابات القادمة قد تعني مشاركة أكبر في محافظات الغرب والشمال الغربي، وقد تأتي نتائجها على غير المتوقع، وخاصة حين أدرك أهل هذه المحافظات أن لصوتهم قوة يمكن أن تقلب الموازين، وأن المشاركة في العملية السياسية خير لهم ألف مرة من المقاطعة مثلما جرى في يناير الماضي·
فسر بعض المراقبين تراجع الإقبال على المشاركة في الاستفتاء في المناطق ذات الأغلبية الشيعية، بتراجع الحماس الذي رافق انتخابات يناير الماضي في هذه المناطق، حيث فاقت في بعض المحافظات الجنوبية أكثر من 95%، فقد صوتت تلك المناطق في حينها نكاية بمن قاطعوا وطالبوا بالمقاطعة، ولكنهم -ربما- أصابهم شعور بخيبة الأمل في حكومة الجعفري التي أوصلوها فلم تحقق لهم الأمن ولا السلام ولا الخدمات·
وعلى من لم يستطع أن يحصل على غالبية ترفض الدستور، أن يحترم رأي الأغلبية مهما كان رأيه في الدستور، وحذار ممن بدؤوا يتهمون اللجنة العليا بالتزوير، فبعض هؤلاء لن يقبلوا بالدستور ولو كان منزلا من السماء، ذلك أن سير العملية السياسية واستمرارها يعني نهايتهم شيئاً فشيئاً·
بقراءة متأنية للاستفتاء الأخير ونسب الإقبال عليه، يتضح أن الجميع في العراق يريد الدخول في العملية السياسية، والحديث عن مقاطعة الانتخابات مثلما جرى في يناير الماضي أصبح ضرباً من الماضي لا يمكن العودة إليه، أو الإصغاء إلى دعاته، والكل بدأ من الآن يعد العدة للانتخابات القادمة المزمع عقدها في ديسمبر·
الدساتير وإقرارها ليست عصا سحرية تحقق السلم والبناء في أي بلد في العالم، ولكنها وسيلة وقناة للتعايش السلمي الذي يحتاجه العراقيون اليوم أكثر من أي وقت، والدستور الذي تم إقراره، ليس ثابتاً أو قرآنا، بل إنه يحمل ميكانيكية تغييره وتبديله بشكل سلمي، فعلى جميع العراقيين اليوم المضي قدماً في العملية السياسية السلمية، لأن البديل هو الإرهاب والطوفان·