لا يدري المرء أي عبقري في العلاقات العامة أقنع الرئيس الأميركي بجدوى توقفه في مطار بغداد كما يفعل أي مسافر بالجوّ في بعض الرحلات الطويلة، واطلاق اسم الزيارة على هذا التوقف، والحصيلة الإيجابية لعمل كهذا سواء بالنسبة لمعنويات الجنود الأميركيين المنهكين من العمليات في العراق، أو للساحة السياسية الأميركية التي باتت مهيأة لمعركة انتخابية قادمة أغلب الظن أنها ستشهد خطوات الحساب الختامي لحكم لن يدوم لأكثر من أربع سنوات· ظهر الرئيس وهو يحمل صينية تبدو ثقيلة تئن بدورها بديك رومي ضخم مشاركاً بذلك في إطعام جنوده ومضيفاً على نفسه هالة الأب الحنون المتواضع الذي أبى إلا أن يتناول طعام العيد مع أبنائه رغم المشقة· وقد يثبت التاريخ لاحقاً أن تلك الصينية كانت ترمز إلى غنيمة العراق التي حصل عليها دون وجه حق، وأنه لا يعرف من الآن فصاعداً سوى أنه يريد الاحتفاظ بها، أما كيف يفعل ذلك فتلك هي الأزمة الحقيقية للسياسة الأميركية في العراق، وهي أزمة تبدو متعددة الأبعاد على نحو لابد وأنه يربك صانعي هذه السياسة كثيراً إلى الحد الذي يدفعهم لعمل استعراضي كذلك الذي شهده مطار بغداد منذ أيام·
أول أبعاد الأزمة أن أحداً من نخبة البيت الأبيض الحاكمة لم يتوقع، فيما هو ظاهر، أن تكون هناك عمليات حقيقية ضد الاحتلال ناهيك عن أن تكون متصاعدة، فلما تأكد ذلك بدأت محاولات تشوييها ووصفها بأنها إما فلول نظام بائد أو نتاج عناصر إرهابية تسللت من خارج العراق، ولما أخفق التشويه وتواصل تصاعد العمليات، بل وتحققت بعض النقلات النوعية في ضرباتها، بدأ التفكير الأميركي في الاستعانة بقوات أجنبية تحمل عنها بعض العبء، فلما ظهرت ضآلة الاستجابة الدولية للمطلب الأميركي نجحت الإدارة الأميركية في أن تجعل مجلس الأمن (يأذن) بتشكيل قوة متعددة الجنسية في قراره رقم 1511 المتعلق بالعراق، وعندما بدا أن واحدة من الدول لا تقبل بسهولة على المشاركة في هذه القوة لاعتبارات سياسية وأمنية لم تجد السياسة الأميركية مفراً من أن تعلن مؤخراً النية في زيادة عدد القوات الأميركية في العراق مع أن الهدف الأصلي كان هو التخفيض وليس الزيادة·
في الوقت نفسه يستمر التصور الأميركي كما كان الحال بالنسبة لأي تصور استعماري وآخره الاستعمار الصهيوني لأرض فلسطين في توهم أن القوة كفيلة بالقضاء على المقاومة أو كسر شوكتها على الأقل، فتعمل القوات الأميركية (المطرقة الحديدية) فوق ما تتوهم أنه رؤوس المقاومة، ويتحدث قادتها بالسذاجة نفسها التي تحدث بها قادة استعماريون سابقون منذ عشرات السنين عن انجازات مثل تلك العمليات مبشرين بتراجعها لكي يكتشفوا بعد حين ليس بالطويل أن هذه هي طبيعة حروب التحرير التي تأخذ نمط حرب العصابات، وأنها تستعيد زمام المبادأة، وبل وتحقق نقلات نوعية في أدائها مع اتساع الوعاء البشري الذي تغترف منه وتحتمي به، نتيجة الممارسات الكريهة لقوى الاحتلال إزاء أبناء الشعب المحتل·
بعد المأزق العسكري يأتي المأزق السياسي: من حاكم عسكري إلى حاكم مدني ومن مجلس حكم انتقالي في إطار خطة لنقل السلطة للعراقيين بعد سنتين إلى خطة لنقلها لهم في يونيو القادم (2004)· وتكوين مجلس انتقالي عن طريق ما قيل إنه انتخابات غير مباشرة والانتخابات غير المباشرة منه براء· وهكذا وجد بوش الذي ملأ الدنيا صخباً حول الحاجة الملحة من قبل الوطن العربي إلى الديمقراطية - وجد نفسه تلميذاً مبتدئاً في مدرسة السيستاني المرجع الشيعي العراقي الأعلى الذي يصر على اجراء انتخابات عامة مباشرة بينما تعتمد خطة بوش على ما يشبه التعيين لكي نفهم ولو بعد حين ما الذي كان يقصده بوش، عندما تحدث عن صيغ مختلفة للديمقراطية تصور بعض العرب أنه يدغدغ بها مشاعرهم باعتبار أن ما لديهم من ممارسات قد يرقى إلى مرتبة صيغة من تلك الصيغ، بينما واقع الأمر أنها آلية خبيثة تمكن من مرونة اطلاق وصف (الديمقراطية) على تلك النظم التي تقبل بالاملاء الأميركي في المنطقة، ولا بأس من أن تقدم دعوة مفتوحة لقواته كي تحل على أرضها كقوات متحالفة صديقة وليست كقوات محتلة معادية·
وبعد المأزق السياسي الداخلي يأتي مأزق الدبلوماسية الأميركية التي بدت مرتبكة إزاء ضربات توجه لها من كل اتجاه· فالإدارة الأميركية تتحدث ابتداء عن قرار جديد يمكن أن يصدره مجلس الأمن بالموافقة على خطتها السياسية الجديدة في العراق· وإزاء وجود ممانعة دولية يعتد بها لتلك الخطة· خاصة أن بعض الممانعين يمتلكون حق الفيتو· يعلن وزير الخارجية الأميركي أن بلاده لا تنوي طلب استصدار مثل هذا القرار لأنها -وفقاً لرأيه- ليست مستعدة لمشقة المداولات التي ستحدث في المجلس حول قرار كهذا· ومن الطريف الدال على الأوضاع في العراق أن مجلس الحكم الانتقالي فيما يبدو لم يبلغ بالتطور الجديد في السياسة الأميركية فأرسل - بالبريد وفقاً لمسؤول أميركي!- يطلب من المجلس استصدار قرار بشأن جدول زمني لإنهاء الاحتلال، وزعمت الدوائر الأميركية المسؤولة أن رسالة مجلس الحكم لمجلس