يعتقد معظم الذين سمعوا عن ابن رشد أو كتبوا عنه أو تعصبوا له أو ضده، من القدماء والمحدثين - أنه كان فيلسوفا تميز بشروحه لكتب أرسطو، وبرده على الغزالي وبانتصاره لفلسفة أرسطو في هذا الرد وفي كتب أخرى. هذا إلى جانب كونه فقيها كتب في الفقه كتابا متميزا هو (بداية المجتهد ونهاية المقتصد)، وأنه ألف في الطب كتاب (الكليات)·
كل هذا صحيح، ولكن يبقى مع ذلك أن ابن رشد ظل مظلوما، لم يعطه القدماء ولا المحدثون حقه كاملا، سواء في أوروبا العصور الوسطى التي شغل الناس فيها قرونا، أو في العالم العربي والإسلامي الذي بقي ذكره فيه محدودا، أو يكاد، في مؤلفات أصحاب التراجم و(الطبقات)(طبقات الأطباء خاصة)، أو في رسائل الدبلوم والدكتوراه التي هيأها أصحابها من المعاصرين العرب وغير العرب عن ابن رشد، في القرن العشرين!
أقول إن ابن رشد بقي مظلوما ليس فقط بسبب نقص في المعرفة به من جانب من ذكروه أو اهتموا به، بل أيضا لأن (التاريخ) نفسه ظلمه في بعض كتبه التي ظلت مفقودة. ذلك لأن فيلسوف قرطبة لم يكن مجرد مؤلف ينشر المعرفة بفهم ثاقب وبأسلوب متين ناضج، وبروح نقدية واتجاه عقلاني أصيل فحسب، بل كان في كل ما كتب ينزع نحو التغيير والإصلاح والتجديد. كان صاحب مشروع، أعلن عنه هو نفسه في غير ما مناسبة·
كان ابن رشد يعمل في كل ما كتب من أجل تحقيق هدف استراتيجي واحد هو: إعادة بناء الفكر والثقافة في عصره، وذلك بإعادة تأصيل الأصول في كل مجال من مجالات الثقافة العربية الإسلامية: في العقيدة، والشريعة، والفلسفة، والطب، والعلم، واللغة، والسياسة...
ففي مجال العقيدة أكد بعبارات صريحة أن هدفه من التأليف فيها (خصوصا كتبه الثلاثة: (الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة)، و(فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال)، و(تهافت التهافت)) كان، كما عبر هو نفسه: (تصحيح عقائد شريعتنا مما داخلها من التغيير) والرجوع بهـا إلى (الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها)، ووضع (قانون للتأويل) يبين للعلماء ما يجب تأويله، وما يجوز، وما لا يجوز، وكيف؟
أما في مجال الفقه فقد دشن عمله فيه بكتابه (الضروري في أصول الفقه) الذي افتتحه بتوجيه نقد قوي لفقهاء عصره الذين قال عنهم: (إن ها هنا طائفة تشبه العوام من جهة، والمجتهدين من جهة، وهم المسمون في زماننا هذا بالفقهاء، فينبغي أن ننظر في أي الصنفين أولى أن نلحقهم؟ وظاهر من أمرهم أن مرتبتهم مرتبة العوام وأنهم مقلدون. والفرق بين هؤلاء وبين العوام أنهم يحفظون الآراء التي للمجتهدين فيخبرون بها العوام من غير أن تكون عندهم شروط الاجتهاد، فكأن مرتبتهم في ذلك مرتبة الناقلين عن المجتهدين. ولو وقفوا في هذا لكان الأمر أشبه، لكن يتعدون فيقيسون أشياء لم ينقل فيها عن مقلََّّديهم حكم على ما نقل عنهــم في ذلك، فيجعلون أصلا ما ليس بأصل، ويصيِّرون أقاويل المجتهدين أصولا لاجتهادهم، وكفى بذلك ضلالا وبدعة). من أجل ذلك قرر تصحيح الوضع بفتح باب الاجتهاد وبيان أسباب الخلاف بين أئمة الفقه، فكان ذلك موضوع كتابه (بداية المجتهد ونهاية المقتصد)، (الذي لم يعمل مثله) حسب عبارة القدماء. وقد عرض فيه الفقه الإسلامي عرضا نقديا يقوم على مقارنة المذاهب الفقهية الأربعة وبيان وجوه الاختلاف بينها ودواعيه، وترجيح ما اعتبره أقرب إلى مقاصد الشرع.
وأما في المجال الفلسفي فقد أعلن فيلسوف قرطبة بكل صراحة في أول كتاب له في الفلسفة، أن غرضه هو استخلاص الآراء العلمية التي يقتضيها مذهب أرسطو وحذف الأقاويل الجدلية منها، مبينا أنه إنما اعتمد مؤلفات أرسطو دون غيرها من كتب القدماء (اليونان) لكونها (أشدها إقناعا وأثبتها حجة)· وهكذا جاءت شروحه على أرسطو غنية تتجاوز مجرد الشرح إلى آراء وأفكار اجتهادية لم تنقل عن أرسطو وإنما استخلصها من خط تفكيره، حجته في ذلك أن مذهب أرسطو يقتضي تلك الأفكار مع أنه لم يصرح بها. ومن هنا يصح أن يقال عنه إنه لم يكن مجرد شارح لـ(المعلم الأول) (أرسطو) بل كان مكملا له، بذل كل جهده لسد ثغرات مذهبه!
أما في مجال الطب، الذي ألف فيه (كتاب الكليات في الطب)، فقد كان هدفه الأساسي منه بناء الطب على العلم، والعلم الطبيعي خاصة، لتكون الممارسة الطبية في الجزئيات منتظمة تحت (كليات) علمية وليس على مجرد التخمين والتقليد والتجارب العفوية التي كان يعتمدها أصحاب الوصفات الجاهزة من مؤلفي (الكنانيش) (التي تصف الدواء لكل داء) وغيرهم من المؤلفين في الأمراض والأدوية (يستثني بني زهر) من الذين يحصرون اهتمامهم في الجزئيات مغفلين الأسس والقواعد والكليات. والنتيجة أن أطباء عصره صاروا كما قال (أبعد خلق الله عن هذه الصناعة)(يعني علم الطب)·
لقد كان الدافع له إلى البدء بتأليف (الكليات في الطب) هو إنقاذ الطب بوصفه علما له أسسه وأصوله وقواعده. يقول في مقدمة كتابه: (الغرض في هذا القول أن نثبت ها هنا من صناعة الطب جملة كافية على جهة الإيجاز والاختصار، تكون كالمدخل لمن أحب أن يستقصي أجزاء الصناعة، وك