في نهاية الأسبوع الماضي، نشرت نتائج دراسة في الدورية العلمية المرموقة ''نيورو- سينس''، وخلصت إلى أن التوتر والقلق في السنوات المبكرة من العمر، يؤديان لاحقا إلى فقدان الذاكرة وإلى ضعف القدرات العقلية· هذه النتيجة ربما تكون ذات فائدة جمة، في تشخيص وعلاج الاضطرابات والأمراض التي تصيب الذاكرة، وتؤدي لفقدانها وضياعها· وحتى بخلاف فقدان الذاكرة التام، يمكن أيضا لمثل هذا النوع من الدراسات، أن يلقي المزيد من الضوء على ميكانيزمات تكوين الذاكرة البشرية، وكيفية تقويتها، ومنع ضعفها وتدهورها· فالمعروف أن الذاكرة جزء رئيسي من مكونات الذات ومن جوانب الشخصية، وقوتها عامل أساسي خلف النجاح في الحياة العملية وفي العلاقات الاجتماعية· والذاكرة هي القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات وبالتجارب والمشاعر، لفترات زمنية قصيرة أحيانا، وطويلة أحيانا أخرى· وتضطلع أجزاء عديدة من المخ بتكوين الذكريات، والاحتفاظ بها، ثم استرجاعها وقت الحاجة· ولكن على الرغم من أن الذاكرة البشرية خضعت لأبحاث طويلة، ودراسات مكثفة من قبل أطباء الأعصاب وعلماء النفس، إلا أنها لا تزال من أكثر الوظائف الفسيولوجية استعصاء على الفهم· فمثلا، لا زالت محاولات تحديد المناطق المسؤولة عن الذاكرة في المخ بدقة، بعيدة كل البعد عن أي قدر من الدقة المقبولة· حيث يعتمد الأطباء حاليا على التلف الناتج عن إصابات المخ، لتحديد المنطقة المسؤولة عن نوع ما من أنواع الذاكرة· هذا المنطق مبني على أن إصابة وتلف منطقة من المخ، وما ينتج عنها من فقدان وضياع لنوع معين من الذاكرة، يعني أن هذه المنطقة هي المسؤولة عن هذا النوع من الذاكرة· هذا المنطق رغم قوته، لا يمكن أن ينفي أن تلف المنطقة تلك، ربما ترافق معه تلف في حزمة عصبية تمر من خلالها أو بجوارها، مسؤولة عن نقل المعلومات من وإلى منطقة أخرى مسؤولة عن الذاكرة التي فقدت· ولا يمكننا أيضا أن نربط وظيفة عقلية بالغة التعقيد كالذاكرة، بمكان أو جزء واحد من المخ، بل الاحتمال الأكبر أنها نتاج توافق عدة أجزاء من المخ، تعمل سويا في تناغم وتناسق· وكل هذه الاحتمالات والتعقيدات، تؤدي إلى حقيقة واحدة وثابتة، وهي أن معلومات طب القرن الحادي والعشرين عن أجزاء المخ المسؤولة تحديدا عن الذاكرة، لا تزيد على كونها معلومات بدائية·
ويقسم العلماء الذاكرة طبقا لمعايير ومواصفات خاصة، مثل مدتها، أو طبيعتها، أو كيفية تخزينها، أو استرجاعها· وأشهر تلك التصنيفات، وأكثرها قبولا في الأوساط العلمية، يقسم الذاكرة إلى ثلاثة أنواع رئيسية: الذاكرة الحسية، والذاكرة قصيرة الأجل، والذاكرة طويلة الأجل· النوع الأول، أو الذاكرة الحسية، لا تزيد مدتها على جزء من الثانية -أو ثانيتين على الأكثر-، حيث تنشأ وتبقى وتنتهي في الحاسة التي نتجت منها· وأفضل مثال على هذا النوع، هو الذاكرة البصرية التي تنتج في أعيننا عند مشاهدتنا لجهاز التلفزيون· فرغم أن شاشة التلفزيون لا تعرض صورة متصلة، بل تتابعا من الصور، إلا أن بقاء الصورة الماضية في ذاكرتنا البصرية إلى حين عرض الصورة التالية، يجعلنا نعتقد أن الصور متصلة ببعضها بعضاً· أي أننا نرى العرض في شكل متصل، بينما في الحقيقة هو عرض متقطع في شكل صورة تلو الأخرى· النوع الثاني، أو الذاكرة قصيرة الأجل، لا تزيد مدته عن بضع ثوان إلى بضع دقائق على الأكثر، ويتكون من مستودع مؤقت، يختزن المعلومات لفترة قصيرة قبل التخلص منها· وأفضل مثال على هذا النوع، هي التجربة التي يلقي علينا فيها شخص رقم هاتف للاتصال به، حيث نتذكره لحين طلبه، ثم ننساه بعد ذلك مباشرة· ويعود السبب في تخلص هذا النوع من الذاكرة من المعلومات المخزنة فيه بهذه السرعة، إلى أن المستودع الذي يحتفظ فيه بالمعلومات ذو سعة محدودة جدا، ولذا لابد من إخلائه على وجه السرعة كي يتسع لتلقي معلومات أخرى·
أما النوع الثالث، أو الذاكرة طويلة الأجل، فيمكننا فيها الاحتفاظ بالمعلومات والتجارب والخبرات لأعوام وعقود طويلة· ويرى العلماء أن الفرق بين الذاكرتين القصيرة والطويلة، ينتج عن نوع التغيرات الفسيولوجية التي تحدثها التجربة النفسية داخل الجسد· ففي حالة الذاكرة قصيرة الأجل، لا تزيد تلك التغيرات عن استثارات كهربائية في الخلايا العصبية، تستغرق بضعة ثوان، تعود بعدها الخلايا إلى حالة الاستقرار الكهربائية السابقة· أما في حالة الذاكرة طويلة الأجل، فيعمل المخ على الاحتفاظ بهذا النوع من خلال تصنيع بروتينات، يعبر شكلها وتركيبها عن تفاصيل الذاكرة المراد حفظها· وعندما يرغب الشخص في استعادة ذاكرة موقف أو تجربة ما، يقوم المخ (بقراءة) شكل وتركيب وتفاصيل تلك البروتينات، ليسترجع منها جميع تفاصيل التجربة السابقة، من حيث المكان والزمان والمشاعر· وهذا لا يعني أن مستودع الذاكرة طويلة الأمد غير محدود في طاقاته على الاستيعاب، حيث يقوم المخ بصفة مستمرة بمراجعة الذكريات المخزنة، لتجديد صلاحية بعضها، وللتخلص من بعض آخر· فمثلا أثناء سنوات الدراسة، يقوم المخ بتشكيل بر