من أهم الدروس الإيمانية التي نحتاجها في هذا الشهر الكريم، الذي قال عنه الله تعالى: ''شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان''، هي أن يصبح القرآن في حياتنا هو جوهر عملية التغيير في المجتمع· وأقصد بذلك أن تتحول دروس هذا الشهر ورسالة القرآن الكبرى في حياتنا إلى مدرسة إيمانية واضحة، نترجم من خلالها معاني هذه الرسالة ونجعلها واقعاً عملياً ملموساً في كل شؤون حياتنا، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والفكرية والأخلاقية والسلوكية، نتحرك وفق منهجه ونحرك حركة حياتنا بكل أشكالها ومجالاتها وخصوصياتها وفق نصوص تشريعاته، خاصة بعد أن سقطت كل التجارب والأدوية والإيديولوجيات الوضعية التي جربتها هذه الأمة في سياساتها وحل مشكلاتها، ولم يبقَ أمامها إلا رسالة القرآن بكل معانيها ومقاصدها ودلالاتها وتشريعاتها· هي المشروع الوحيد القادر على إنقاذ الأمة وتقوية مناعتها وإعطائها القدرة والقوة الكافية في مواجهة أعدائها ومواجهة التحديات الكبيرة والخطيرة التي تحيط بها من كل جانب، وإرشادها نحو أهدافها الكبيرة بحيث تتحول من أمة ضعيفة إلى أمة قوية قادرة على قيادة الحضارة الإنسانية من جديد، ومنافسة غيرها من الأمم· وهذا ما تحقق للسلف الصالح عندما تحولت حياتهم بأكملها إلى قرآن يمشي على الأرض، فأصبحت الأمة الإسلامية أعظم أمة عرفها التاريخ·
يقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: ''كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن''· ويقول الإمام علي كرّم الله وجهه: لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبر فيها· لذلك فإن أحد العارفين كان يقول: إني لأفتتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر· وكان الفاضل من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة كما يقول عبدالله بن عمر رضي الله عنه لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن وأن آخر هذه الأمة يقرؤون القرآن منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به· ويقصد بذلك أن تعاملنا مع القرآن الكريم لا يخرج عن دائرة الحفظ· لذلك فقد خلص ابن القيم رحمه الله إلى القول: ''إنه لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه''· لهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجعل في موقع القيادة والمسؤولية في أجهزة الدولة الإسلامية إلا أهل القرآن، من حفظ القرآن الكريم وجعله منهج عمل في حياته وسلوكه· فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً ذوو عدد فاستقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن فأتى على رجل من أحدثهم سناً فقال: ''ما معك يا فلان''؟ قال: معي كذا وكذا وسورة البقرة· فقال: ''أمعك سورة البقرة''؟ قال: نعم · قال: ''اذهب فأنت أميرهم'' فقال رجل من أشرافهم: ''والله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا خشية ألا أقوم بها''·
حتى في القبر كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقدم الأكثر أخذاً للقرآن· فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحُد في ثوب واحد ثم يقول: ''أيهم أكثر أخذاً للقرآن''؟ فإذا أشير إلى أحد قدمه في اللحد وقال: ''أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصلَّ عليهم ولم يغسلوا''·
هذا السلوك القرآني والفكر القرآني والدستور القرآني العظيم الذي قاد الأمة الإسلامية إلى قمة عظمتها ومجدها، هو الذي جعل الكثير من المفكرين والقادة في الغرب يعترفون بمعجزة القرآن الكريم ويتمنون أن تكون حضارة القرآن هي البديل لحضارتهم التي أوشكت أن تصل إلى حالة الانتحار الحضاري· الفيلسوف والأديب الإنجليزي برناردشو أشار إلى أن الغرب سوف يدخل الإسلام عن طريق القرآن الكريم· ونابليون بونابرت في كتابه ''بونابرت والإسلام'' تمنى أن يقيم نظاماً موحداً مبنياً على أسس القرآن الكريم لأنها هي وحدها الحق وهي وحدها التي تهدي إلى سعادة البشرية·