مازالت المؤتمرات والندوات وحلقات البحث المحلية والدولية تعقد منذ عشرات السنين عن الإرهاب· وقد كتب حتى الآن قرابة 14000 مقال عن الموضوع، ومازال الغرب لم يفهم الإرهاب· وأنفقت ملايين الدولارات على البحوث ومازال الموضوع مستمرا· لا تخلو جامعة أو مركز بحث خاصة في أميركا وأوروبا من مشروع حول الإرهاب· ومع الجامعات ومراكز الأبحاث تدخل الأحلاف العسكرية القديمة مثل حلف شمال الأطلسي، والمخابرات العامة، ووزارات الدفاع والخارجية ومجالس الأمن القومي وهيئات أركان الحرب والكنائس والأحزاب والاتحادات والنقابات·
وقد عقدت في مقاطعة توسكانيا بإيطاليا في منتصف الشهر الماضي ندوة دولية عن العوامل النفسية والاجتماعية في تكوين الإرهاب· والقصد كالعادة تجميع المعلومات، وتحليل العوامل، ورصد الإحصائيات، وعمل الرسوم البيانية، والاعتماد على النماذج الرياضية من أجل فهم ظاهرة الإرهاب· ولم يكن هناك أي بحث عن الواقع الحي والمعيشي في المخيمات ورؤية مآسي الشعب الفلسطيني التي قد تغني عن كل هذه المجردات التي تعمي أكثر مما تكشف، وتبعد عن الموضوع أكثر مما تقرب منه· فالاقتراب من الواقع الحي في فلسطين أو العراق أو أفغانستان أو الشيشان قد يكشف عن العدوان الأميركي البريطاني الإسرائيلي على الوطن العربي والعالم الإسلامي· فوظيفة العلم الكشف وليس التعمية، والدخول في الموضوع وليس الدوران حوله، وعيشه ومعاناته وليس تجريده والابتعاد عنه· ودعي إليه أسماء لامعة في البحث العلمي ما يزيد على العشرين أكثر من نصفهم من الولايات المتحدة الأميركية ثم بريطانيا ثم إسرائيل· ثم باحث واحد من كل من أسبانيا والنمسا وروسيا والأمم المتحدة وفلسطين ومصر· وتوزعت الأوراق على أربعة محاور على مدار أربعة أيام· المحور الأول كيفية دراسة الجذور النفسية والاجتماعية للإرهاب· والثاني البواعث الفردية والجماعية للانخراط في العنف السياسي· والثالث العوامل الاجتماعية والثقافية والدينية والأعمال الاستشهادية التي يطلق عليها لفظ القنابل الانتحارية· والرابع الخطوات العملية لدى علماء النفس والاجتماع للتقليل من خطر الإرهاب·
والغريب أن كل البحوث المقدمة تبدأ من الأحكام المسبقة المعروفة المكررة آلاف المرات، ربط الإرهاب بالإسلام وبالفلسطينيين وبالعراقيين وبالأفغان وليس بالمسيحية ولا بالنزاع الدموي بين البروتستانت والكاثوليك في أيرلندا الشمالية، ولا بالصراع في بلاد الباسك على حدود فرنسا وأسبانيا، ولا بالهندوكية وإسالة الدماء في سريلانكا، ولا بالجريمة المنظمة في الولايات المتحدة الأميركية من اليمين كما تم في تفجير مبنى الحكومة الاتحادية في أوكلاهوما، ولا باضطهاد المسلمين الأتراك في ألمانيا خاصة، وسوء معاملة العرب والمسلمين في كل أنحاء أوروبا· فالربط جوهري بين الإسلام كدين والإرهاب كعنف دون ما ذكر للظروف النفسية السياسية والاجتماعية التي أدت إلى استعمال العنف في حالة الاضطهاد وغياب أية أساليب أخرى للمقاومة· وتؤدي الأحكام المسبقة إلى الإدانة المسبقة· فالمقدمات هي النتائج، والأهواء هي الحقائق· المقاومة الفلسطينية إرهاب، والمقاومة العراقية إرهاب، والمقاومة الأفغانية إرهاب، و''حزب الله'' تنظيم إرهابي، وسوريا نظام إرهابي يسمح بتسلل الإرهابيين العرب عبر الحدود المشتركة مع العراق، ويؤيد حزب الله، والنظام الإيراني إرهابي لأنه يرفض الدخول في بيت الطاعة الأميركية دفاعا عن استقلاله الوطني وما يعتبره حقه في امتلاك القدرات النووية، وإسرائيل مدججة بأسلحة الدمار الشامل النووية والكيميائية·
وما يرعب الولايات المتحدة هو أن تتسرب أسلحة الدمار الشامل إلى ''الإرهابيين'' وكأنها حكر على الدول الكبرى وحدها· ولا ترى خوف الدول الصغرى منها وهي في يد الدول التي هدفها العدوان وتكوين إمبراطوريات جديدة مثل أميركا وإسرائيل· الغاية هي احتكار الإرهاب ضد من يقاوم هذا الاحتكار·
والخلط واضح دائما بين الإرهاب والمقاومة، بين العنف العبثي غير المسؤول على أتفه الأسباب بالرغم من وجود بدائل أخرى كالحوار والحلول السلمية، والعنف الهادف الذي هو حق شرعي للإنسان للدفاع عن النفس في حالة العدوان· لذلك لم توجد ورقة واحدة لتحديد معنى الإرهاب، للهروب من الموضوع برمته· وما أسهل التعليل بالجواهر الثابتة مثل الإسلام أو العروبة أي بالأيديولوجيات وليس بالظواهر الاجتماعية والسياسية طبقا لرؤية شعوبية عنصرية تلصق الإرهاب وغيره من الظواهر مثل التخلف وغياب حقوق الإنسان ومظاهر الاضطهاد والقهر والتسلط بطبائع الشعوب والثقافات·
وتغطي الأوراق كل شيء فرعي وتترك كل شيء رئيسي· تتكلم عن ردود أفعال الإرهاب عند أطفال فلسطين، وأثر تدمير المدارس على نفسيتهم، وكيفية التأقلم مع الإرهاب، ورغبتهم في العيش في سلام! ولا شيء يُذكر عن الاحتلال وإرهاب الدولة· فالإرهاب من الفلسطيني للفلسطيني وليس من الإسرائيلي إلى الفلسطيني! ويحضر الأميركيون والإسرائيليون بكثافة فهم الضحية! ويغيب العرب والمسلمون إلا