في شهرأبريل الماضي، كان قد أسدل الستار على الفصل الأول من الحرب الأميركية التي شنت على العراق، بسقوط مدينة بغداد· ولكن سرعان ما بدأ الفصل الثاني مباشرة بعد استشراء الفوضى -وليس النظام كما هو مفترض- في أعقاب ا لنصر· وفي نهاية الأسبوع الماضي بدأت نهاية الفصل الثاني بعيد زيارة الحاكم الأميركي بول بريمر لعاصمة بلاده واشنطن، وإعلانه عن عملية الانتقال السريع والمحدود في الوقت ذاته، للسيادة ليد العراقيين بحلول شهر يونيو المقبل·
وفي ذلك الإعلان، اعتراف صريح بهزيمة وخيبة الخطة الأولى، التي قصدت بها الولايات المتحدة الأميركية إعادة تشكيل العراق· طبيعة الهزيمة التي تلقتها أميركا هي عسكرية في الأساس، بسبب تصاعد الهجمات والضربات العسكرية الموجعة التي تلقتها القوات الأميركية الموجودة في كل من بغداد والمنطقة المسماة بالمثلث السني، وتعرض فرق الدوريات الأميركية وأفواج التموين والامدادات العسكرية والمنشآت الأميركية للهجمات المتصاعدة والمتلاحقة، التي شملت حتى الطائرات العمودية· وقد أسفرت هذه الهجمات عن منع الولايات المتحدة الأميركية من إضفاء أي نوع من الشرعية، سواء على سلطة الاحتلال الأميركي الموجودة حاليا هناك، أم على المجلس العراقي الحاكم المعين من قبلها·
والآن فإن واشنطن تأمل في أن يؤدي الوعد الجديد بالانتقال المبكر للسلطة في العراق، إلى خفض معدل وفاعلية العصيان المسلح عليها، وتخويل المجلس الحاكم هناك بالمزيد من السلطة والصلاحيات· ضمن الخطط المطروحة أن تسفر الخطوة الأخيرة هذه، عن صياغة مسودة للقانون الأساسي، وتشكيل مجلس تشريعي يقع على عاتقه تكوين حكومة مؤقتة بحلول شهر يونيو المقبل· هذا وتعد الولايات المتحدة بنقل السلطة السياسية والأمنية والمالية ليد العراقيين قبيل إجراء الانتخابات العامة هناك·
مقابل ذلك ستتولى أميركا مهمة الإشراف على عملية الانتقال السياسي في العراق،على أن يتفق هذا الانتقال وخدمة مصالحها وأهدافها الاقتصادية والعسكرية، فضلا عن المصالح السياسية· ولما كان الحال كذلك فهيهات لهذه الخطة أن تكون خطة لنيل سيادة وطنية حقيقية للعراقيين، ومن هنا فهي تبدو غائمة ومضللة· لهذا فإن هناك أعضاء في المجلس العراقي الحاكم ونقادا في الدول الأوروبية بقيادة فرنسا -وجناحا في سكرتارية الأمم المتحدة- ممن يدعون إلى أن يحدث تغيير راديكالي، سريع وشامل في العراق، بحيث يتم انتقال السيادة ليد حكومة عراقية مؤقتة، تشرف عليها الأمم المتحدة، وليس الولايات المتحدة·
يعني هذا على المستوى النظري، إرسال قوات أمن دولية إلى العراق، كما يعني أيضا وقف التغييرات الاقتصادية الكارثية المفترض لها أن تتم الآن في العراق، وفقا للتصورات والخطط الراهنة· وتشمل هذه التصورات خصخصة المنشآت الاقتصادية الحكومية، وعولمة قطاع النفط، وتأجيل هذه الخطوات إلى حين تنصيب حكومة مستقرة ودائمة في البلاد· وفي الوقت ذاته فإن هذه الخطوة تعني على المستوى النظري وقف التوقيع على أية اتفاقيات خاصة بإقامة قواعد عسكرية في العراق إلى حين تشكيل حكومة مستقرة ودائمة يقرها العراقيون· وكل هذا هو بالضبط ما لا تريده الولايات المتحدة· ولكن كل هذه التصورات لن تكون سوى أحلام يقظة، ما لم يتم استتباب الأمن والنظام أولا· وتلك هي مسؤولية قوات الاحتلال الموجودة الآن·
سعيا لتحقيق هذا الهدف، فقد أعادت الولايات المتحدة الجنرال جون أبي زيد مجددا للعراق، ومعه الكثير من أفراده التابعين لقيادته المركزية في مقرها الرئيسي في تامبا بولاية فلوريدا الأميركية· وها هي واشنطن تحاول مرة أخرى تنفيذ مخطط الصدمة والرعب العسكري في العراق، عن طريق شن هجمات مكثفة عنيفة على المقاتلين العراقيين بواسطة القصف بالقنابل والصواريخ، إضافة إلى زحف جحافل المشاة إلى المناطق التي تعرف الآن بأنها معاقل وقيادات عامة للنشاط الإرهابي المضاد، التي يوجد بعضها داخل العاصمة العراقية بغداد·
وعلى رغم الانتقادات الموجهة لمثل هذه الأساليب في التعامل مع الأزمة القائمة من قبل الضباط البريطانيين المتواجدين في العراق وبعض النقاد الأميركيين، إلا أن هذا الأسلوب يظل هو الحل الذي تراه وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون في الوقت الراهن، وإلى حين التفكير في ما يجب فعله في الخطوة التالية· فالبنتاغون عادة ما تميل في مثل هذه الحالات، إلى أسلوب الحرب التكنولوجية الرفيعة المستوى، التي تستخدم فيها التكنولوجيا الحربية المتقدمة بناء على خطة صفر من القتلى· ولا تتردد البنتاغون في بعض الحالات، في رفع المستوى التكنولوجي المستخدم إلى درجة المبالغة، وحتى إن لم يكن ذلك يتناسب والحاجة الحقيقية إلى الحرب· فالمهم أنها تخوض حربها هي وفق رؤيتها وتصورها، بصرف النظر عن رؤية العدو وتصوره لتلك الحرب· ذلك هو ما حدث بعينه في فيتنام، ولم تجن منه أميركا سوى الهزيمة والفشل· وهو نفسه ما حدث في أفغانستان، وأسفر عن نجاح محدود، بدأ يتسرب الآن من بين الأصابع بسبب عقيدة الحرب الجديدة التي تبنتها ا