هل نحن العرب بحاجة إلى "ديتليف ميليس" عربي ليكشف لنا عن كل جرائم الاغتيال التي وقعت بأيادٍ عربية في العصر الحديث؟
أعتقد أن الرد بالإيجاب على هذا السؤال هو الأقرب للواقع؛ فنحن حقاً بحاجة لـ"ميليس عربي" يعيد خلط كل الأوراق ويزلزل كيانات بعض الأنظمة العربية "الثورية" التي ارتكبت في وضح النهار، جرائم اغتيال لسياسيين بارزين بأيدٍ عربية، ثم أقفلت ملفات التحقيقات فيها إما على اتهام "ضد مجهول"، أو على اتهام "الإمبريالية الصهيونية الغادرة"!
القاضي الألماني الذي يحقق في اغتيال الشهيد رفيق الحريري صار رقماً صعباً في أكثر من عاصمة عربية، وأجزم أنه لو قرر زيارة عاصمة عربية لم يوجه وجهه شطرها من قبل، لأصيب السياسيون في تلك العاصمة بنوع من الإسهال الذي يصيب حاملي فيروس وباء "الكوليرا"!
فالرجل استطاع خلال أقل من شهر من بدء عمله، أن يكشف ما رفضت كل الأجهزة "الثورية" العربية كشفه. واستطاع أن يضع يده على الداء الذي يحاول معظم "المفكرين" و"المثقفين" و"الكتاب" العرب إبعاد الشبهات عنه باعتباره سبب أغلب مصائبنا في كل عمليات الاغتيالات السياسية منذ الستينيات وحتى اليوم.
ولا أدري لماذا كلما أقرأ جملة "الأنظمة الثورية" أو"المفكرين الثورجيين"، يأتيني شعور بأنني أتذكر حيوان الثور الذي يُقاد إلى حلبة مصارعة الثيران، ليجري خلف خرقة حمراء ثم يطعن حتى الموت، دون أن يدري أنه يُقاد إلى حتفه. فتلك الأنظمة، ومن يحمل أفكارها التي عفت عليها الأزمان، لم تدر بعد أن ما كان سهل إقناع الناس به في الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات، لم يعد ساري المفعول اليوم، ليس لأن العالم تغير فحسب، بل لأن ما يحملونه من أفكار عفنة، لا تصلح للنمو والازدهار إلا في بيئات عفنة فقط.
ولو عدنا إلى الوراء قليلا، لاكتشفنا أن الأبرياء من المواطنين العرب، كانوا ضحايا للكثير من تلك الأفكار والتبريرات التي وجدت طريقا لها إلى عقول الكثيرين، حتى لو كان تبريراً لإزهاق أرواح بريئة. ولكن تلك الأرواح التي أُزهقت في عمليات سُميت آنذاك "اغتيالات سياسية"، لم يتم الكشف عن فاعليها، لأن المسؤولية في الغالب ألقيت على كاهل "الإمبريالية الصهيونية العالمية" و"أعداء الأمة العربية"! ويبدو أننا بحاجة اليوم إلى "ميليس عربي"، ليعيد فتح تلك الملفات التي أُغلقت بالشمع الأحمر، كما فتح "الحاج ميليس" ملف الشهيد رفيق الحريري، ويثبت أن الأيادي التي اغتالت ليست "إمبريالية" ولا "صهيونية"، بل عربية خالصة!
وكثيرة هي الملفات ذات الشمع الأحمر التي تبحث عن "الحاج ميليس"، منذ اغتيال رئيسي اليمن في السبعينيات المقدم إبراهيم محمد الحمدي، وأحمد حسن الغشمي، مروراً بالرئيس الجزائري الراحل محمد بوضياف، ووزير الخارجية الليبي الأسبق منصور الكخيا، وحردان التكريتي وعدنان خير الله، والقادة الفلسطينيين من سعد صايل وناجي العلي وأبو أياد وأبوالهول وحتى زهدي الطرزي وسعيد حمامي وماجد أبوشرار وغيرهم. أما عن لبنان، فحدث بلا حرج، وأجزم أننا بحاجة لعملية استنساخ لفريق كامل من "ميليس العربي" لكشف خبايا الذين قتلوا بأيدي "الأشاوس" رياض الصلح، والمفتي حسن خالد، مروراً بالشهيد كمال جنبلاط وسليم اللوزي وموسى الصدر وبشير الجميل ورينيه معوض والعشرات ممن لا تسعفني الذاكرة الآن لسردهم.
اللهم احفظ "الحاج ميليس" من أي مكروه، وانصره على من يعاديه.