منذ أعوام عدة وأنا أقرأ عن أمنيات الكثيرين من أبناء الأمة في العيد وأنهم يطمحون في كل مرة الى حال أفضل، ووضع سياسي مستقر، ورخاء اقتصادي وعلى رغم هذه الأمنيات المتكررة كل عام يزداد وضع الأمة سوءاً، كأنهم يرمون بأمنياتهم في بحيرات المستحيل السبع والتي يصعب عليها ان تكون واقعا ولو مؤقتا·
ولا ييأس أصحاب التمنيات المستحيلة، بمن فيهم أنا فلازلت أتمنى أن يكون العيد مناسبة خاصة ترفع الظلم عن كاهل هذه الأمة التي أثقلها الحزن والمرارة والهزائم المتوالية التي لم تجد غير ديارنا سكناً ومستقراً·
وأزعم أن الكلمة السر في كل هذه التمنيات هي الحرية التي لو حدثت وصارت متاحة للبشر من حولنا، لتغيرت أحوال الخذلان وصار واقعنا أكثر مرونة وأشد إمكاناً للتحمل والمسايرة·
فكل هذا العنف المتبادل بين السلطة والتنظيمات السرية أزمته تكمن في انعدام لغة الحرية المشتركة، بإمكان الأقوى الحديث عما يشاء، والأضعف يصرخ بطريقته الفجة والبعيدة عن الثقة والاطمئنان فيأتي العنف كاحتجاج معلن وبذلك تكون أية لغة أخرى غير متاحة وبعيدة عن جدول ممارساتهم اليومية، ولا يمكن بأي حال بعدها إنقاذ ما يمكن إنقاذه·
ومن يدفع ثمن هذا الحديث الأحادي سوى الأبرياء ليبقى الظلم هو الطاغية القادر على خنق أنفاس الصدق والرغبة في الحديث دون مقاصد خبية أو أهداف سرية غير معلنة·
وبماذا يمكن أن تضر هذه الكلمة السحرية؟
بل هي الامتصاص الفاعل لعلامات الغضب والاحتجاج وهي القادرة على صنع حالة توافق خفي بين كافة الفئات، كأنك تفتح نوافذ وأبواباً لأنفاس ظلت طويلا حبيسة مخاوف وتسلط غير مبرر، بل تبعات هذه الحرية تكاد تكون معدومة إذا ما قارناها بانعدام حضورها، وتغيبها القسري الحاصل منذ قرون طويلة·
بماذا يسبقنا الغرب سوى بتواجد هذا الشعور وترعرعة بينهم، لأنه حق انساني صرف خلق مع الإنسان لذلك كان سلب هذا الحق من الأعمال التي أودت بأشياء وتفاصيل جميلة إلى هوة عميقة لدينا·
هذا الحرمان من ذاك السحر حولنا إلى بشر محبط على الدوام، عاجز عن صنع تغيير إيجابي لأنه ببساطة يخشى من عقبات أحلامه من الحجر أو أن يضيع في متاهة الغياب وهو الحريص على رغيف أولاده المشغول بتأمينه ولا وقت لديه بأن يُطالب بأكثر من قمح وأرز·
حتى في تمنياتنا الخجلى، نخشى المجاهرة بها حتى لا تصفعنا يد الواقع القاسية، ونخشى إن فرحنا بالعيد فرحته التي يستحقها، أن تصدعنا مرارة الوقت والخذلان المتراكم التي لم يأت التاريخ - منذ أمد بعيد - بغيره·
فالعيد بهجة الصغار حين يذهبون للثوب الجديد والحُلي والمذاقات الطيبة، صار هو الآخر حالة سأم، وبقلب عليه انقضاء الوقت السريع كأننا نستكثر أن نسعد ولو لساعات، وان نبتهج، كأننا مسروقون تلك الابتسامات الصادقة غير المعنية بما يحدث حولها أو على الأقل المتفائلة بالنور الذي سيأتي يوماً دون شك·
على رغم كل شيء·
عيدكم سعيد·· والعيد القادم ستكون الأمة معافاة والأمنيات قادرة على اجتراح الممكن، والبهجة مشتركة لأن لسان حال الواقع سيكون أكثر حرية وتحليقاً في سماوات لا تعرف السجن أو الأسوار أو الكلام في الممنوع وغير المشروع هذه هي الأمنية الأغلى·· أن نكون أكثر حرية وأعيادنا لا ترتدي سوى ذاتها·