يمثل وجود سوق للأوراق المالية في أي بلد، صورة تعكس حالة الوجه الاقتصادي في الدولة، وذلك لأهمية الدور الذي تلعبه مثل هذه الأسواق في تحريك الاقتصاد وتأمين السيولة المالية وتجميع المدخرات المستثمرة في شكل أسهم وسندات، للإسهام في عملية الاستثمار والتنمية والعمل بكفاءة عالية للحفاظ على مصالح المساهمين. ومن هذا المنطلق فإن الخلل الذي قد يصيب السوق، قد يؤثر كثيراً على حركة السوق وحالة الاقتصاد في الدولة. وما حدث في سوق دبي المالي يوم الأحد الماضي في موضوع تلاعب مستثمرين كبار في صفقات وهمية بمليارات الدراهم على أسهم بنك دبي الإسلامي، يعطي مؤشراً خطيراً على عمق الخلل الرقابي الخاص بأسلوب العمل الرقابي داخل السوق، وأيضاً يعطي دلالات وأبعاداً أخرى تحمل في داخلها إشارات واضحة لما حدث في كارثة عام 1998 التي أثرت كثيراً على الاقتصاد الوطني، حيث إن مثل هذا التلاعب لم يكن الأول من نوعه. هناك العديد من التجاوزات التي حدثت في السنوات الماضية تم تمريرها دون محاسبة المسؤولين عنها، أخطرها "تسريب المعلومات" والذي تمثل في إطلاع بعض المستثمرين الكبار على معلومات داخلية في بعض الشركات لها آثار إيجابية على أسعار هذه الشركات، وهذا أمر خلصت إليه دراسة قام بها المستشار المالي في مجموعة السوق المالي الداخلي لبنك أبوظبي الوطني، والتي أشارت بوضوح إلى أن هناك صفقات كبيرة ومفاجئة تمت على أسهم هذه الشركات، وهي في مستويات متدنية، قبل أن تعلن هذه الشركات عن قرارات استراتيجية تؤثر في دفع السهم إلى الارتفاع، حيث تمكن هؤلاء المستثمرون نتيجة هذا التلاعب من كسب أرباح طائلة وصلت في خلال 12 شهراً الماضية إلى 20 ملياراً، وخاصة أن السوق كما يقول شهاب قرقاش مدير محفظة الضمان للأسهم، به أشخاص معروف عنهم تاريخياً تلاعبهم بالسوق وقيامهم بعمليات بيع وشراء بهدف تحريك السوق في اتجاه يرضي أهواءهم، ولهم في ذلك سجل حافل بمثل هذه الأمور.
هناك أيضاً ظواهر أخرى تعمل على تخريب السوق، أهمها ظاهرة التداول على المكشوف، وهي ظاهرة غير قانونية يستخدمها بعض المستثمرين بهدف الكسب السريع، بالرغم من المخاطر التي قد تنتج عنها سواء على السوق أو على صغار المستثمرين، وهي عبارة عن تسهيلات تقدم من الوسطاء لتحقيق مكاسب سريعة دون تسديد المبالغ الفعلية المستحقة على عملية الشراء. وصورة الأخبار والشائعات التي يحاول البعض استخدامها للتأثير على سعر الأسهم وعملية ارتفاع وهبوط السهم غير المبنية على أسس تجارية وقانونية واضحة، والتي تثير الشك في الكثير من تعاملات السوق. ثم إن هناك شواهد أخرى مهمة أصبحت تسيطر هي الأخرى على السوق، هذه الشواهد قد تلعب دوراً مؤثراً في إحداث أزمة شبيهة تماماً بما حدث في صيف عام 1998، وهذه الشواهد حذر منها أحمد الطاير رئيس مجلس إدارة مجموعة بنك الإمارات، تتمثل في زيادة رؤوس الأموال وتجزئة السهم بهدف المضاربة وإقرار علاوة الإصدار ثم إلغائها مرة أخرى. تزايد مثل هذه الحالات والإشكاليات والوقائع والشواهد التي أصبحت تزكم برائحتها الأنوف، يؤكد تماماً الحاجة الماسة إلى إعادة النظر في القواعد القانونية والأنظمة الرقابية التي تحكم سياسة السوق وسياسة هيئة الأوراق المالية التي تراقب السوق، حيث إنه لم يعد مقبولاً أن يكون ضمن أعضاء هيئة الأوراق المالية التي تختص بمراقبة أنشطة السوق المالي، أشخاص يمثلون مجالس إدارة بعض الشركات المساهمة، أو لهم مكاتب وساطة أو مناصب وظيفية تتعارض كلياً مع اختصاصات الهيئة وسياسة السوق، وتتعارض أيضاً مع مسألة الشفافية والمصداقية التي من المفترض أن تحكم سياسة العمل في داخل السوق.
إن سرعة إصلاح الخلل الإداري والرقابي في داخل السوق المالي وهيئة الأوراق المالية، وفلترة السوق من هؤلاء المتلاعبين، أمر مطلوب، حتى لا يتعرض الاقتصاد الوطني وصغار المستثمرين الذين دفعوا كل مدخراتهم في هذا السوق إلى كارثة تشبه ما حدث في عام 1998.