مأساة هذا الشرق أنه ينتقل من حقبة استعمارية "قديمة" إلى حقبة استعمارية "حديثة"، فكل الإمبراطوريات استعبدته, وكل الإمبراطوريات امتصت خيره, وقمعت شعوبه وساقته إلى مسالخ الحروب مرة رغم أنفه ومراراً بإرادة بعض قادته.
الوطن العربي مأساته واحدة ومشكلاته ليست في شرائعه ولا في دساتيره وإنما في واضعيها والساهرين على تطبيقها. يعـز علينا أن نرى بيروت غارقة في أزمة دستورية وهي مدينة الشرائع وتعاني أزمة دستورية. ويعز علينا أكثر وأكثر أن بلد حمورابي, العراق، ينتظر من أقاصي الأرض أن يأتي إليه الطامعون في ثرواته كي يضعوا له دستوره، فأصبحنا نسمع مفردات قبيحة تحاول تشويه صورة الوطن العربي وتعيده إلى ما قبل عصور الجاهلية خدمة لمصالحهم ومصالح من يريدهم من الحلفاء والموالين كي تقبض على مستقبل ومصير الشعب والوطن. هذه المفردات تعبر عما ينتظر هذا الشرق من مزيد من الكوارث حيث بدأنا نسمع "السُنَة العرب" وكأن الشيعة ليسوا بالعرب، وكأن عروبة العراق كله موضع تساؤل.
إنها ألفاظ كالقنابل الموقوتة في هذا الشرق العربي أقسى وأمر من قنابل هيروشيما وناجازاكي, أليست حرب لبنان الطائفية "هيروشيما"، ولكن على دفعات انتهت بمئة وخمسين ألف ضحية؟ أليست حرب العراق "ناجازاكي" ربما تنتهي بعدد أكبر من الضحايا، ولكنها حرب تحضر لاستعمار عرقي إثني ولحروب عرقية إثنية؟ إنها سياسة استعمارية قديمة تتجدد حاملة شعار "فرِّقْ تَسُدْ" لكنها بقيادة مقنعة صهيونية المصالح, إسرائيلية المبتغى. وإلا ماذا يجمع أكراد العراق وإسرائيل وهل ما يجمعهم بإسرائيل أكثر مما يجمعهم بالعراق والعراقيين؟!
كل ما يجري في العراق يهدف إلى تحويله من عراق إلى أعراق تتطاحن فيما بينها بحروب إثنية طائفية كي تسهل السيطرة عليها. هذا ما جرى في لبنان والآن يجري في العراق.
شوقي أبو عيّاش-الشوف- لبنان