أما وأن المجتمعات العربية، بشعوبها وقواها السياسية، قد أجمعت على ضرورة انتقالها إلى النظام الديمقراطي في الحكم والسياسة والحياة المدنية، فقد أصبح من الواجب بناء فهم مشترك للديمقراطية المنشودة. ذلك أن تاريخنا الحديث مع التعامل مع الإيديولوجية السياسية يحتّم ذلك. هل ننسى كيف أن القومية العربية أصبحت قوميات في منطلقاتها الفكرية وفي تعاملها مع السياسة، مروراً بالفاشستيّة والطوباوية وغيرها؟ هل ننسى كيف أصبحت الاشتراكية اشتراكيات متباعدة ومتناقضة، مروراً بالماركسية والماوية والإسلامية والعربية، وغيرها؟ لقد تسبب غياب الفهم المشترك، وليس بالضرورة الموحّد بالطبع، إلى انقسامات ومعارك ومؤامرات بين القوى التي كانت تدَّعى أنها قومية أو اشتراكية، بحيث إنها أفنت بعضها بعضاً بدلا من أن تكتفي بالتنافس المشروع.
هكذا تاريخ يستدعي ألا يكون هكذا حاضر أو مستقبل. من هنا الأهمية الكبرى لوجود مراكز البحوث والدراسات، والمنتديات الفكرية. فنشاطات مثل هذه المراكز والمنتديات تسعى إلى بناء فهم مشترك للديمقراطية لا يفرِّط في المتطلبات الأساسية لهذا النظام الذي أصبح إرثا إنسانيا مجرَّبا من جهة وفي الوقت نفسه يسعى بعقلانية وموضوعية إلى أخذ الواقع الثقافي– الاجتماعي العربي بعين الاعتبار. هذا الفهم النظري والعملي المشترك، إذا أخذته الحركات السياسية لعربية بكل جدّ ومسؤولية بل وساهمت في تكوينه، سيساهم إلى حدّ كبير في تعاون الحركات الديمقراطية في الوطن العربي حاضراً ومستقبلاً كما انه سيساهم في بناء كتلة سياسية عربية تاريخية تخرج الوضع السياسي العربي من مأزق الانقسام غير المبرَّر ومن نية الجميع في وادي العبث والصِّبيانية، وادي تاريخنا السياسي الحديث.
يسبق هذا الفهم المشترك طرح أسئلة مفصلية ستحتاج إلى إجابات صريحة غير مبهمة. دعنا نذكر بعضا منها: مدى عمق الأسس والقواعد التي ستحكم العلاقة بين الديمقراطية السياسية (حريات وانتخابات وتبادل سلطة الخ)... وبين الديمقراطية الاقتصادية- الاجتماعية (توزيع الثروة وحقوق العمل والتعليم والسكنى الخ....). ومدى التعارض إن وجد بين بعض متطلبات الديمقراطية وبعض ما يقوله الإسلاميون. مدى إمكانية التعايش بين الديمقراطية والطائفية والقبلية، مدى الحريات الفردية أمام الالتزامات الاجتماعية، مدى المساواة أمام العادات. طرح مثل هذه الأسئلة ومحاولة الاتفاق على فهم مشترك لإجاباتها يقتضي أن يوجد زخم قوي مترامي الأطراف في مناقشتها وعمق بالغ الدقة في التعامل معها.
لكن، رغم أهمية الإعداد الفكري النظري السابق ذكره هناك حاجة للبدء بإعداد آخر حتى تكتمل حلقة التهيئة لانتقال جماهيري نحو الديمقراطية في المستقبل القريب.. ونعني به إعداد الجماعة التي ستكون على استعداد لأن تحمل مسؤولية قيادة ذلك الانتقال وعلى استعداد لأن تدفع ثمن ذلك من النّفس والنفيس. لنتذكر جيداً، فعندما تحركت حشود الشعب البولندي كان لديها فاليسا وأنصاره الذين حوّلوا الغضب إلى فعل ثم إلى انتصار، وعندما تحركت جماهير الشعب الفنزويلي كان لديها شافيز وأنصاره الذين حوّلوا المظاهرات إلى فعل ثم إلى انتصار.
الشعب العربي، كما يشهد له تاريخه الطويل، شعب قابل للعطاء والفداء بلا حدود. لكنه في كل مرّه قام بانتفاضة للتعبير عن سخطه وجد نفسه وحيداً دون قيادة تحوِّل الانتفاضة إلى فعل ثم إلى انتصار. والأمثلة على ذلك كثيرة. من هنا، ومن أجل ألا تتكرر مآسي الماضي، ومن أجل ألا يسرق الطُّفيليون والمتسلِّقون ثمرة تحرّك الشعب العربي مستقبلاً نحو الديمقراطية، مطلوب منذ الآن إعداد الأفراد أو الجماعات الذين سيكوّنون النواة القائدة التي سيثق الناس فيها وفي قيادتها على ضوء ما تقول وما تفعل وما تضحِّي به الآن، أي قبل التحرّك الشعبي الديمقراطي الذي لا محالة قادم في القريب.
إعداد تيّار فكري ديمقراطي واسع بمفاهيم مشتركة بين عناصره، وإعداد قيادات قادرة على تحويل تحركات الجماهير إلى فعل ثم إلى انتصار... تلك هي مهمَّة الحاضر.