على خلاف مؤلفاته التي قل أن تخلو منها مكتبة مثقف في مشرق الوطن العربي ومغربه، وحتى أغلب مقالاته المنشورة سابقا على هذه الصفحات، لم يضف الجابري جديدا في مقالته الأخيرة "الهوية الثقافية... والوطن والأمة والدولة" أمس، بل أحسست أنه يكرر أساليب قديمة مستهلكة وعلى طريقة مؤلفي مطلع عصر النهضة في تقديم أفكارهم: "قال صاحبي:... قلت لصاحبي:...."، وهي طريقة قل ألا تؤدي بالكاتب إلى تفلسف يرهن نفسه لبعض البديهيات والدوران في تعريفات مملة وخالية من المضمون! ففي تعريفه للهوية الثقافية يقول الجابري إنها "كيان يصير ويتطور، إما نحو الانكماش أو الانتشار، وهي تغتني بتجارب أهلها ومعاناتهم، بانتصاراتهم وتطلعاتهم، وأيضا باحتكاكها سلبا وإيجابا مع الهويات الثقافية الأخرى". وإذا كان التعريف أعلاه صحيحا من الناحية المبدئية، فنقطة الضعف الأولى فيه أنه عام ومجرد وينطبق على سائر الظواهر الاجتماعية دون استثناء، بدءاً من أساليب زراعة الأرض، مرورا بالنظام النقدي، وانتهاء بأنظمة الحكم ونمط اللباس! ولعل ما يظهر هشاشة ذلك التعريف، وهو في الحقيقة زبدة المقال ولبه، كونه صياغة إنشائية فضفاضة لم تستند إلى مثال أنثروبولوجي واحد من جملة الأمثلة التي يقدمها السياق العريض من التجارب عبر تاريخ العالم المعاصر حول مخرجات العلاقة بين كل من الهوية الثقافية والعولمة، وبينهما وبين "الوطن والأمة والدولة"!
ومما لاشك فيه أن الجابري على دراية كافية ببعض النماذج العملية المتصلة، وأنه يصدر أحكامه استنادا إلى مخزون واسع من المعرفة الموضوعية في هذا المجال، لكن يجب على بعض الكتاب أن لا يستهينوا بعقول قرائهم مستسهلين عملية إقناعهم اعتمادا على "سلطة" الاسم وتراثه الفكري فحسب!
عزيز خميس- تونس