على الرغم من قلة أعداد القوات المسلحة الأميركية في العراق وأفغانستان (140 ألف جندي تقريبا)، إلا أن مجهودها الحربي في البلدين يتجه بشكل حثيث لجعلها ثالث أكبر حرب من ناحية التكلفة المادية في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية بأسره.
وهذه الحرب كلفت كل فرد أميركي 850 دولارا على الأقل في صورة تكاليف عسكرية مباشرة وتكلفة إعادة البناء منذ أن بدأت في أكتوبر 2001.
وتقدر "ليندا بيلمس" التي تقوم بتدريس مادة الميزانية بمدرسة كنيدي للدراسات الحكومية التابعة لجامعة هارفارد، أن هذه الحرب لو استمرت لمدة خمس سنوات إضافية، فإن تكلفتها الإجمالية ستصل إلى 1,4 تريليون دولار أي أن نصيب الفرد الأميركي الواحد من هذه التكلفة سوف يصل إلى 4745 دولاراً تقريباً.
ولكن حتى إذا ما قمنا بتفكيك تلك التكلفة، ونظرنا إلى التكلفة العسكرية البحتة لتلك الحرب فقط - وبسعر الدولار اليوم- فسوف نجد أن تكلفة تلك الحرب بالنسبة للولايات المتحدة تفوق بالفعل تكلفة الحرب العالمية الأولى.
نحن هنا نتحدث عن التكلفة المادية وليس عن الدم والدموع. فمجموع عدد القتلى من الجنود الأميركيين في العراق وأفغانستان معاً وصل حتى الآن إلى ما يزيد على 2000 جندي، في حين أن هذا العدد وصل في الحرب العالمية الأولى التي اشتهرت بأنها كانت حرب خنادق دموية وخلال عامي 17-1918 إلى 53513 قتيلاً أميركياً.
وإذا ما قمنا بأخذ سعر الدولار المعدل وفقا لنسبة التضخم المتزايدة باستمرار، فسوف نجد أن الحرب الحالية هي رابع أكثر الحروب تكلفة في التاريخ الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية، وحرب فيتنام، وحرب كوريا (حتى الآن).
مع حلول نهاية شهر ديسمبر القادم، ستبلغ التكلفة العسكرية (المستهدفة) للحرب 252 ملياراً. والمبالغ المنفقة على الحرب في العراق (186 ملياراً) وأفغانستان (66 مليوناً)، تزيد في مجموعها عن تكلفة الحرب الكورية، كما يقول "ستيفن كوزياك"، المحلل بمركز تقييم الاستراتيجيات والميزانية في واشنطن، والذي يقوم بعمل التقديرات والتقييمات استنادا على البيانات والمعلومات المقدمة من الحكومة الأميركية.
ويذكر أن تقديرات الحرب الكورية المحسوبة بهذه الطريقة من قبل "ويليام نوردهاوس" عالم الاقتصاد بجامعة ييل، وقبل أن يقوم الرئيس بوش بشن حربه على العراق مباشرة (والتي تم تحديثها لأخذ نسبة التضخم في الحسبان) قد وصلت بتكلفة تلك الحرب إلى 361 مليار دولار أميركي.
وإذا ما أخذنا في حسباننا أن الحرب في العراق وأفغانستان تكلف ما بين 80 إلى 100 مليار دولار، فإن تكلفتها قد تتجاوز تكلفة الحرب الكورية بحلول آخر عام 2006 أو 2007 - إذا ما استمرت الحرب حتى ذلك الوقت.
في الأسبوع الماضي، أدلى الرئيس بوش بتصريح أمام جمع من المحاربين الأميركيين القدماء قال فيه إن الولايات المتحدة "سوف تنهي المهمة" في أفغانستان والعراق من أجل تكريم أرواح الأفراد الذين سقطوا في ساحة المعركة. وبعض المحللين يقولون إن تصريح بوش يشير ضمنا إلى أنه يتوقع أن تستمر الحرب لفترة طويلة.
وقبل أن تنتهي هذه الحرب، فإن تكلفتها العسكرية قد تصل إلى 500 مليار دولار، وذلك حسب تقدير "جوردون آدام" الخبير بجامعة جورج واشنطن في واشنطن. وهو يتساءل عما إذا كان الرئيس سيقوم بعمل "تقييم انتخابي" في الربيع القادم، من خلال قيامه بسحب عدد يصل تقريبا إلى 30 ألف جندي من القوات الأميركية من العراق قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس. وفي رأيه أن بوش لو قام بهذه الخطوة فإنها ستؤدي إلى تقليل التكاليف.
وإذا ما جئنا للإنفاق محسوبا بناء على عدد الجنود فإننا سنجد أن حربي العراق وأفغانستان هما الحربان الأكثر تكلفة على الإطلاق في تاريخ الولايات المتحدة - كما يقول الخبراء. ويرجع هذا إلى التكلفة الباهظة للتكنولوجيا والمعدات، وإلى اعتماد البنتاجون المبالغ فيه على المقاولين الخصوصيين الذين يتقاضون مبالغ كبيرة في القيام بتنفيذ بعض العمليات الأمنية، كما يرجع إلى المرتبات الأعلى والحوافز التي يتم دفعها للقوات الأميركية المقاتلة المكونة من جنود متطوعين، وإلى تكلفة الوقود المتزايدة، والمصاعب المتعلقة بتوفير عدد كافٍ من الجنود للقتال في الشرق الأوسط.
وتبلغ التكلفة العسكرية للحرب الدائرة حاليا 6 مليارات دولار أسبوعيا حسب تقديرات السيد أدامز. وهو يقول إن التقديرات العسكرية مبنية على أساس أن سعر برميل النفط يبلغ 36 دولارا للبرميل، وليس 67 دولارا للبرميل (سعره الحالي). ومن المعلوم أن فاتورة الوقود تشكل جزءا كبيرا من تكلفة العمليات العسكرية، خصوصا وأن الولايات المتحدة مضطرة إلى استيراد الوقود الذي تستخدمه في العراق.
والتكاليف العسكرية تمثل جانبا واحدا من التكلفة الإجمالية للحرب. والإنفاق على عمليات إعادة الإعمار، وبسط الأمن يضيف إلى تلك النفقات 24 مليار دولار في العراق، و7 مليارات في أفغانستان، وذلك كما يقدر "كوزياك" الذي يضع التكاليف العسكرية، وتكاليف إعادة الإعمار معا عند رقم يتراوح ما بين 7 – 8 ملي