السؤال الآن: هل إن مسودة الدستور العراقي الدائم تمثل ولادة مجتمع جديد ودولة جديدة؟ أم مغامرة غير محسوبة تهدد بوضع وحدة العراق، وسلمه الأهلي في مهب الريح؟ ما يفرض السؤال ثلاثة أمور: الأول، أن الكثير من المفاهيم التي تتضمنها مسودة الدستور المقترحة لا تعكس الواقع السياسي القائم في العراق حاليا، وخاصة لناحية خريطة القوى السياسية الفاعلة فيه، وهي القوى التي تولت عملية كتابة المسودة المقترحة. الدستور في هذه الحالة يمثل إما نوعا من الحلم نحو تجاوز هذا الواقع، وهو واقع بائس، أو أنه مجرد غطاء دستوري لعملية سياسية تستمد ديناميكيتها ليس من الدستور، بل من معطيات هذا الواقع، وهو واقع يجمع بين العنف الطائفي، والاحتلال، والتدخلات الأجنبية. والأمر الثاني، أن رفض السنة العرب للمسودة يجعل منها وثيقة لا تمثل تطلعات جميع مكونات الشعب العراقي، مما يفقدها واحداً من أهم مرتكزاتها، وأهم خصائصها كمرجعية قانونية وسياسية. والثالث، وهو أغرب ما رافق كتابة هذه المسودة، أن وضعها في صيغتها النهائية تم بشكل أساسي استجابة لضغوط سياسية محلية أميركية تخص إدارة بوش وليس استجابة لمتطلبات الوضع السياسي للعراق، البلد الذي يمثل الدستور مظلته القانونية.
بالنسبة لتناقض نصوص المسودة مع الواقع العراقي، اقرأ الفقرة الأخيرة من ديباجتها وهي تقول "نحن شعب العراق الذي آلى على نفسه بكل مكوناته وأطيافه أن يقرر بحريته واختياره، الاتحاد بنفسه، وأن يتعظ لغده بأمسه، وأن يسن من منظومة القيم والمثل العليا لرسالات السماء ومن مستجدات علم وحضارة الإنسان هذا الدستور الدائم...". ثم لاحظ، أولاً ليس كل شعب العراق يقبل بفكرة الاتحاد (الفيدرالي). ثانياً هل صحيح أن العراقيين اتعظوا لغدهم من أمسهم؟ إذاً لماذا كل هذه الأحزاب والمليشيات والخطابات، والتحالفات، والتصفيات الطائفية؟ وهل هذا يتفق مع " لقيم والمثل العليا لرسالات السماء" كمُلهِم لهذا الدستور؟ تبدو المسودة تعكس حالة إنكار واعية لواقع قائم. هناك ما هو أكثر. فالمسودة ألغت الهوية العربية للعراق، رغم أن الواقع يقول إن أغلبية الشعب العراقي عرب.
مسودة الدستور مليئة بكل المفاهيم الجميلة، من وحدة وحرية وتعددية وديمقراطية، وتداول سلمي للسلطة، وبآليات حمايتها قانونياً. لكن القوى التي صاغت هذه المفاهيم تتحرك على أرض الواقع في الاتجاه المعاكس لكل ما تمثله هذه المفاهيم. فالشيعي ينتمي إلى حزب شيعي، والسني إلى حزب أو هيئة سنية، وكذلك الأمر مع الكردي...الخ. وتوزيع المناصب السياسية يعكس التوازنات الطائفية والإثنية في العراق، وليس توازنات سياسية غير طائفية أو إثنية. الواقع كما تنقله التقارير الصحفية، خاصة الأميركية والبريطانية أسوأ من ذلك بكثير. حيث لاحظت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية في 21 من هذا الشهر أنه في الوقت الذي تتم فيه صياغة مسودة الدستور تعمل المليشيات الشيعية والكردية في الشمال والجنوب على تأسيس مؤسسات سلطة خاصة بها موازية، وغير خاضعة للحكومة المنتخبة. وتضيف أن هذه المليشيات تعمل غالباً كجزء من قوات الأمن الرسمية. بعبارة أخرى، القوى السياسية التي كتبت الدستور تمثل انتماءاتها الطائفية والقومية، وليست قوى مستقلة عن هذا الواقع. والنتيجة هناك، خارج القاعات الرسمية في المنطقة الخضراء حيث كانت تتم كتابة الدستور، حرب تصفيات طائفية وإثنية شرسة تمتد من شمال العراق إلى جنوبه. بل إن البصرة الآن لا تخضع للحكومة المركزية إلا بالاسم، لأنها في الحقيقة تخضع لسيطرة تحالف بين مليشيات عراقية وإيرانية. والشمال يخضع لحكومة كردية.
موقف السنة العرب من الدستور، وهذا هو الأمر الثاني، يؤكد أن هذا الدستور لا يمثل تطلعات أحد مكونات الشعب العراقي الرئيسة، الأمر الذي يطعن في شرعيته، لأنه يفقده أحد أهم خصائصه، وهي خاصية التمثيل. والأسوأ أن طرح الدستور للتصويت تم بآلية الفرض، وليس بآلية التوافق، وهذا يتناقض تماما مع طبيعة هذه الوثيقة، وما كان ينبغي أن تمثله من نقطة إجماع، ومرجعية شاملة، ومصدر للشرعية. وإذا أضيف إلى ذلك أن الأكراد، مكون رئيس آخر، يتطلع إلى الانفصال في اللحظة التي كان يشارك فيها بكتابة الدستور، تشير إلى أن مسودة هذا الدستور المقترح ليست أكثر من حبر على ورق، أو تفكير بالتمني، أو غطاء لمرحلة انتقالية. أحد أسباب ذلك يكمن في أن الذين كتبوا الدستور كانوا منذ البداية يفتقرون إلى الإجماع على الأمور الأساسية والجوهرية بالنسبة لطبيعة الدولة، هويتها، مرجعية سلطاتها، وعلاقتها بالدين، وشكل الحكم فيها...الخ. ثم جاءوا لإيجاد دستور يلم شمل ما بينهم من اختلافات كثيرة حول أمور أساسية. والعادة أن كتاب الدستور يأتون وهم متفقون حول الأمور الأساسية والأهداف الاستراتيجية للدولة، ويكتبون دستوراً يعكس هذا الإجماع، رغم ما قد يكون بينهم من اختلافات حول التفاصيل، والآليات. وهذا يعني أن صياغة الدستور العراقي الدائم تمت بطريقة غير مسبوقة، وغير متسقة مع الواقع الذي كانت تعمل على