خلال الشهر الماضي وفي وسط مخيم للاجئين في شرق تشاد حيث الغبار يزحف على جميع الكائنات والقيظ في ذروته وقف بضعة مئات من الرجال الذين قدموا من دارفور يرتدون ثياباً بيضاء نظيفة ويشاهدون جهاز تلفزيون يعمل بالبطارية. كان هؤلاء الرجال يتابعون الأخبار باهتمام حول العضو الجديد في القيادة السودانية جون قرنق. وهو القائد الذي أمضى حياته متزعما لحركة التمرد في جنوب السودان ليؤدي الآن، أمام أنظار اللاجئين، القسم كأول نائب للرئيس في حكومة وحدة وطنية تهدف إلى إنهاء الحرب الأهلية التي عصفت بالسودان طيلة السنوات الماضية.
والحق أن القليل فقط من اللاجئين كانوا لا يعرفون شيئا مهما عن د. قرنق باستثناء أنه أصبح عضواً في الحكومة التي تهيمن عليها النخبة العربية في الخرطوم، وهي الحكومة التي تواجه الآن اتهامات غربية بأنها تقف وراء حملات القتل والاغتصاب التي دفعت أكثر من مليونين من أهالي دارفور من غير العرب للنزوح عن إقليمهم وترك ديارهم خاوية على عروشها. ولكن نظراً لرغبتهم الراسخة في الرجوع إلى ديارهم واستئناف حياتهم السابقة، شكل حدث أداء جون قرنق للقسم الدستوري لحظة مفعمة بالأمل بالنسبة لأكثر من 200 ألف لاجئ في تشاد معلقين بذلك على الحكومة الجديدة آمالا عريضة. ولم نخفِ حينها حذرنا من التفاؤل المبالغ فيه الذي بات واقعاً بعد موت قرنق قبل بضعة أسابيع جراء تحطم مروحيته في جنوب السودان.
وبالرجوع إلى بداية مشكلة دارفور، فإننا شهدنا قبل أكثر من سنة أحد أبشع المناظر التي يمكن رؤيتها في تشاد، حيث انتشر آلاف النازحين على أرض جرداء تجمع فيها أهالي دارفور عبثا محاولين الاستظلال بأشجار هزيلة بالكاد توفر لهم حماية طفيفة من لهيب الشمس الحارقة ورياح الصحراء العاصفة. أما الحيوانات القليلة التي جلبوها معهم فتنفق بين الفينة والأخرى بسبب ندرة الماء والكلأ. وكنتيجة لذلك تراكمت الجيف في حفر كبيرة يردم عليها التراب درءاً لانتشار الأوبئة. ولم يكن الوضع أحسن في المخيمات الواقعة تحت رعاية الأمم المتحدة، حيث عانى فيها اللاجئون من عدم توفر إمدادات المياه ونقص في توزيع الغذاء رغم الجهود الحثيثة التي بذلها موظفو الإغاثة لتطويق الكارثة وحصر تداعياتها.
وعلى الرغم من أن الظروف المعيشية للاجئين قد تحسنت منذ زيارتنا الأخيرة، حيث شهدنا تحسناً في خدمات تقديم الماء والغذاء، كما تمت تلبية الحاجات المستعجلة للاجئين الذين أُبعدوا عن ديارهم لمدة سنوات، فإنه مازالت العلاقات متوترة بين اللاجئين وسكان تشاد المضيفين. وقد برز هذا التوتر في العلاقات بين الجانبين نتيجة التنافس على الموارد القليلة أصلا في هذه المنطقة القاحلة. وفي هذا الصدد تم إخبارنا أن النساء في المخيمات يضطررن للمشي مسافات طويلة قد تصل أحياناً إلى عشرة أميال يومياً من أجل تأمين الحطب لإقامة النار، خصوصا بعد استنفاد الحطب في المناطق المجاورة، وهو ما يعرض هؤلاء النسوة لمخاطر الاعتداء. وقد أخبرنا في هذا الصدد أحد الرجال كيف بدأت عائلة تعيش في مخيم للاجئين تزرع الأرض لتقيم أود أفرادها الذين لم تعد تكفيهم الحصة المخصصة لهم من الطعام. ولأن الأرض المزروعة بعيدة نسبياً عن موقع المخيم، فقد تعرضت ابنتهم البالغة من العمر 13 سنة للاختطاف ثم الاغتصاب من قبل إحدى العصابات المحلية.
بيد أن العنف المتنامي في تشاد والذي يطال العديد من اللاجئين لا يضاهي ما يلاقيه سكان دارفور. لذا يظل اللاجئون في تشاد أكثر أمناً ممن تبقى في الإقليم المنكوب والذين يصل عددهم إلى أكثر من مليوني نازح لم يتمكنوا من عبور الحدود إلى تشاد. فقد تعرض الآلاف ممن بقوا داخل دارفور إلى الاغتصاب، وظلوا عرضة للهجمات حتى وهم في مخيمات يُفترض أنها توفر لهم الحماية. وبعدما فقدوا كل ما يملكون من بيوت وماشية مازالت حياتهم وكرامتهم معرضتين للخطر. أما تلك التقارير التي تفيد بتراجع الهجمات واسعة النطاق التي كانت تشنها قوات الجيش السوداني وميليشيا "الجنجويد" على القرى غير العربية، فهي لا تعني أبدا أن عملية التدمير قد ولت دون رجعة، بل مازالت الأوضاع الأمنية في إقليم دارفور هشة للغاية. وبالإضافة إلى ذلك فقد أدى الخراب الذي لحق بالبنى التحتية من آبار ومحاصيل زراعية وممتلكات خاصة إلى نسف أسلوب حياة السكان غير العرب الذي كان قائما في دارفور، حيث تمت تصفية الهوية الثقافية للأهالي والنسيج الاجتماعي لحياتهم اللذين كانا مرتبطين بالقرية. وبعد أن عاش هؤلاء حياة هادئة فوق أراضيهم الخصبة، هُجّروا بشكل جماعي إلى صحراء قاحلة لا يملكون فيها أي أمل عدا انتظار قدوم المساعدات الدولية.
ولعل أهم ما استغله مرتكبو جرائم دارفور هو غياب التركيز الإعلامي الكافي على تلك الجرائم، خصوصا في الأيام الأولى التي شهدت إحراق القرى وتهجير السكان. ففي الوقت الذي اشتدت فيه الهجمات على الأهالي بلا هوادة، كان المجتمع الدولي غائباً عن الساحة ولم يتدخل إلا بعدما استفحلت الأزمة وبدأت معاناة الأهالي تصل إلى الأسماع. والخوف ا