ذهبت إلى فيتنام في يوليو 1967 للعمل كمراسل لوكالة الأسوشيتد بريس. ولم يحتج مني الأمر آنذاك سوى شهور قليلة كي أدرك أن السلطات الأميركية هناك كانت تمدنا بوجبة يومية من الأكاذيب. والآن وبعد أن قمت بتغطية العديد من الحروب فإنني مررت بتجربة حديثة في بغداد ذكرتني بشكل غريب بتجربتي الفيتنامية.
ففي بغداد 2005، كما في سايجون منذ أربعة عقود، وجدت حكومتي تقول لي نفس الكلام تقريبا وهو: ضرورة مواصلة المهمة حتى النهاية لاستئصال الخطر (الإرهاب هذه المرة وليس الشيوعية) الذي يهدد بالانتشار في جسم الديمقراطيات الغربية.
لقد ذهبت إلى بغداد بموجب تكليف من مجلة ناشيونال جيوغرافيك وكنت مقتنعا قبل أن آتي إلى هنا، أن تلك الحرب خطأ من الأساس. ومنذ أن حططت رحلي في بغداد وجدت نفسي معزولا خلف طبقات من الحواجز الإسمنتية التي يبلغ سمكها 12 قدما ولا يمكن أن يفكر أي أميركي عاقل في أن يذهب إلى ما وراءها إلا برفقة حراسة مسلحة وأدركت، وأنا هناك أننا لن نتمكن من تحقيق النصر في العراق.
ولكن ما الذي يعنيه النصر في العراق في الأساس ؟ أن ننجح في تحقيق مجتمع ديمقراطي تكون له حرية انتخاب حكومة إسلامية أصولية مناوئة لأميركا وموالية لإيران؟ أن نسيطر على بلد يمتلئ بحقول النفط المتدفق الذي تذهب أرباحه في النهاية لشركات النفط العالمية؟ هل هذا هو ما يعنيه النصر؟
لقد أخطأنا عندما دخلنا هذا البلد وأخشى ألا تكون هناك طريقة مشرفة للخروج منه.
وفي فيتنام في الستينيات، لم نكن ندرك أيضا ما يعنيه النصر. لم نكن نعرف من هو العدو، وما هي أهدافه، وما المدى الذي يمكن أن يذهب إليه من أجل تحقيق تلك الأهداف؟ نفس الأمر ينطبق على العراق: فنحن لا نعرف لماذا دخلنا إلى هناك بالضبط، كما لا نعرف ما يريده العراقيون بالضبط ولا ما ذا نفعل، وكيف نخرج، بل والمؤسف أنه ليس لدينا إحصاء دقيق لخسائر العدو سواء من المتمردين أو المدنيين.
إن المفجرين الانتحاريين اليوم يمثلون بالنسبة لنا ما كان ثوار الفيت كونج يمثلونه لنا في حرب فيتنام. فنحن نستطيع أن نخرجهم من مخابئهم وأن نصطادهم ونقتلهم ولكن ماذا ستكون النتيجة؟ النتيجة نراها واضحة أمامنا الآن، وهي أن العالم وليس الشرق الأوسط قد أصبح يضم المزيد من هؤلاء الشبان الغاضبين الشاعرين بالنبذ والإقصاء والذين لا يمتلكون شيئا يخافون عليه.
إن الدليل على أنه لا يوجد حل عسكري للمأزق الأميركي في العراق يمكننا أن نتبينه بوضوح من خلال الاطلاع على تفاصيل الرحلة التي قمت بها إلى بغداد. فلقد ركبت الطائرة من عمان عاصمة الأردن إلى بغداد. ولدى اقترابنا من مطارها قال لنا الطيار إنه سيهبط بطريقة قد تسبب إزعاجاً لنا ولكنه مضطر لذلك حتى يتلافى خطر الصواريخ الباحثة عن مصدر للحرارة. بعد ذلك أخبرنا المسؤولون هناك أننا لن نتمكن من المغادرة مباشرة لأسباب أمنية وتم وضعنا في خيمة مجهزة بكل وسائل الراحة ومكيفة الهواء.
وفي الساعة الثالثة فجراً قام جندي بإضاءة أنوار الخيمة الكهربائية وأمرنا بالنهوض ولبس رداء واقٍ من الرصاص. وعندما خرجنا من الخيمة وجدنا أمامنا ثلاث حافلات مدرعة تدريعاً ثقيلا طُلب منا الصعود إليها. وبعد ذلك تحركت تلك الحافلات تحت حراسة ست عربات مدرعة من نوع همفي ثلاث أمامها وثلاث خلفها، بينما راحت طائرة هليكوبتر من نوع بلاك هوك تهدر فوقها. مرة أخرى ذكرني ذلك بما كان يحدث في فيتنام حيث كان الجنود الأميركيون يقولون لنا إن الليل ملك للفيت كونج.. لقد تعجبت أشد العجب من أننا وبعد سنتين ونصف في العراق غير قادرين على تأمين الطريق الوحيد الذي يربط المطار بقيادتنا، وهو ما جعلني أدرك أننا لا نسيطر على الكثير من الأشياء هناك، وأن خسائرنا تزداد يوما بعد يوم، وأننا في مأزق حقيقي.
إذن ما الحل؟ وكيف الخروج من هذا المأزق: هل نعمل على تقليل خسائرنا البشرية والمادية ونرحل؟ أم نصمم على البقاء.. وإذا ما فعلنا ذلك فكم نبقى؟
خير ما يمكن أن نفعله من وجهة نظري هو أن يقوم الرئيس بوش خلال فترة قصيرة بالإعلان عن عودة عدة آلاف من الجنود الأميركيين إلى الوطن لإتاحة الفرصة للعراقيين للاضطلاع بأمنهم بأنفسهم وهو ذات ما فعلناه في السبعينيات وكان يطلق عليه آنذاك "الفتنمة".
بعد ذلك سوف نحسن صنعا، إذا ما قمنا بإنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين على تعليم أجيال جديدة من العراقيين، وتعليم ورفاهية الملايين من المسلمين الشباب في كل أنحاء العالم، بدلا من إنفاق تلك الأموال الطائلة على إدامة وجودنا العسكري هنا الذي لن يؤدي إلا إلى مفاقمة الأوضاع، وزيادة التمرد وزيادة خسائرنا المادية والبشرية.
وبعد أن نقوم بذلك علينا أن نعتمد على أن جاذبية النموذج الديمقراطي الذي نحاول بناءه في العراق، وجاذبية النظام الرأسمالي الأميركي بشكل عام سوف تؤديان تدريجيا إلى تحول العراق إلى دولة نشطة وحيوية وتعج بالحياة في النهاية.. كما حدث في فيتنام.
ففي الشهر الماضي تحديدا استقبل الرئيس بوش رئيس الوزراء الفيتنامي في البيت