يتساءل الكثير من المراقبين الاقتصاديين عن سر كثافة رؤوس الأموال التي تتوجه إلى دولة الإمارات، وبالأخص من بلدان منطقة الخليج وآسيا، ويستفسرون عن مدى قدرة الاقتصاد المحلي على استيعاب عشرات المليارات سنوياً وتوفير مختلف مرافق الخدمات اللازمة لتشغيل واستثمار رؤوس الأموال المتدفقة من مختلف بلدان العالم.
الاقتصاد المحلي إذا ما نظرنا إليه بالمقاييس العالمية يعتبر اقتصادا صغيرا (90 مليار دولار كناتج محلي إجمالي) إلا أن هذا الاقتصاد الصغير يتميز بالديناميكية والقدرة على تلبية متطلبات المستثمرين بكافة فئاتهم.
ماذا يريد المستثمر على وجه التحديد صغيراً كان أم كبيراً؟ إنه يريد بنية تحتية متطورة لا يشوبها القصور، كما أنه يبحث عن تسهيلات وإجراءات خالية من التعقيدات البيروقراطية، وهذا ما تقدمه الإدارات الاتحادية والمحلية في مختلف إمارات الدولة. يُضاف إلى ذلك، بكل تأكيد، وجود قيادات اقتصادية قادرة على اتخاذ قرارات جريئة وسريعة تستجيب لطموحات المستثمرين. هذه المعادلة الناجحة يضاف إليها الكثير من التفاصيل، كسلة متكاملة من التوجهات الرامية إلى إيجاد اقتصاد متنوع وأكثر تطوراً.
هذا الاتجاه الذي استمر طوال العقود الثلاثة الماضية يكتسب اليوم مضامين جديدة وبعداً استراتيجيا واعداً، فإمارة أبوظبي أصدرت في الآونة الأخيرة سلسلة من الأنظمة والقوانين الحكيمة، كما اتخذ المجلس التنفيذي برئاسة سمو ولي العهد إجراءات مهمة لجذب رؤوس الأموال وإحداث تغييرات في الهيكلية الاقتصادية وبما يساهم في زيادة معدلات النمو الاقتصادي وتنشيط الأوضاع الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل في الإمارة.
أما في إمارة دبي، فإن زخم النمو اكتسب قوة إضافية في الآونة الأخيرة، وذلك من خلال استكمال بعض المشاريع الكبيرة والأخذ بحوافز جديدة ساهمت في جذب المزيد من المستثمرين والسياح، بحيث تحولت دبي إلى مركز مهم للتجارة والأعمال في المنطقة.
الأوضاع في بقية إمارات الدولة لا تختلف كثيراً عن الوضع السابق الذي أشرنا إليه في كل من أبوظبي ودبي، فمشاريع رأس الخيمة وأم القيوين المعلنة تشير إلى توجهات جديدة في هاتين الإمارتين للحاق بزخم التطور المتسارع في دولة الإمارات بشكل عام.
يتزامن ذلك مع أنظمة وإجراءات مكملة تتخذ على المستوى الاتحادي، فالقرارات الايجابية التي اتخذها سمو وزير الداخلية والخاصة بالأيدي العاملة وقيام وزارة الاقتصاد والتخطيط بإعادة النظر في قانون الشركات، جميعها توجهات تعبر عن إصلاحات كبيرة تستجيب والتغيرات الاقتصادية الجارية في العالم، مما سيؤدي إلى تأهيل الاقتصاد المحلي واستجابته وتماشيه مع هذه التغييرات.
من ذلك يبدو أن دولة الإمارات، هي الأسرع من بين دول المنطقة في التأقلم مع المستجدات وفي الاستجابة لمتطلبات النمو وتلبية احتياجات المستثمرين، مما يمنحها هذا التفوق وهذه الريادة ويكسبها خبرات جديدة في مجال الإدارة الاقتصادية.
نظراً لهذه الاعتبارات مجتمعة، فإن الإمارات برؤيتها المتجددة ستستقطب المزيد من الاستثمارات الأجنبية في المستقبل يدعمها في ذلك قيادات اقتصادية واعية وبنية أساسية وتسهيلات لا مثيل لها في المنطقة، فالإمارات وجهة استثمارية واعدة ومركز خدمات متقدم يربط ما بين مراكز الاستثمار والخدمات في العالم.
ولحسن الحظ، فإن المؤسسات الرسمية المحلية لا تبخل على أشقائها وأصدقائها بالرأي والمشورة وتقديم يد العون والخبرة للاستفادة من هذه التجربة الناجحة، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، إلا أن نقص مرافق البنية الأساسية وبيروقراطية الإجراءات في الكثير من بلدان الشرق الأوسط، وبالأخص البلدان العربية تعيق جذب رؤوس الأموال، وبالتالي زيادة معدلات التنمية الاقتصادية.
باختصار دولة الإمارات قدمت نموذجاً ناجحا للإدارة الاقتصادية والنمو الاقتصادي على مدى العقود الثلاثة الماضية، وما على الآخرين إلا الاستفادة من هذا النموذج، خصوصا وأن من يملك حقوق تعميم هذا النموذج يتميز بالكرم والصدق في تقديم خبراته وتجربته الناجحة.