عندما قامت القوات المسلحة الأميركية منذ فترة بإجراء اختبار لأكثر أسلحتها التقليدية ضخامة، وهي تلك القنبلة الضخمة التي يبلغ وزنها 21 ألف طن، والتي أطلق عليها الخبراء اسم أم القنابل في محاكاة ساخرة لمسمى أم المعارك الذي استخدمه نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين للإشارة إلى المعركة التي كانت على وشك أن تندلع بينه وبين قوات الحلفاء في شتاء 1990-·1991 فإن سحب الدخان والغبار التي تصاعدت عقب الاختبار الذي أجري في قاعدة إيجلين الجوية الأميركية في شهر مارس الماضي، كان يمكن رؤيتها بالعين المجردة من على بعد عشرات الكيلو مترات، كما أن الانفجار الذي حدث في ميدان تجارب القنابل والأسلحة بالقاعدة كان عنيفا لدرجة أدت إلى إفزاع الطيور التي تسكن في الغابة القريبة من القاعدة ومعظمها من النوع المسمى نقار الخشب· العاملون في قاعدة إيجلين قد لا يعنيهم في كثير أو قليل المحافظة على البيئة لأنهم مطالبون بالقيام بعمل محدد ، وهم سيقومون به في كافة الأحوال·· ولكن المشكلات التي تعاني منها الطيور التي تعيش في تلك الغابة، لا تقتصر فقط على ما يقومون به، وإنما تشمل أيضا رصاصات الصيادين، وهواة إقامة المعسكرات في الأماكن الخلوية، والتي أدت إلى فناء الكثير منها بالفعل، وهددت بحدوث كارثة بيئية يصعب تقدير أبعادها· يفاقم من خطورة ذلك، أن تلك الغابة أو تلك المنطقة ليست هي الغابة الوحيدة التي تهدد بوقوع كارثة بيئية، وإنما هناك مناطق أخرى كثيرة غيرها مما يستدعي التدخل والعمل على إيجاد حل حاسم لذلك التهديد· قد يبدو هذا الكلام معقولا ولكنك يجب ألا تقوله أمام مايكل روزينزويج أستاذ البيئة في جامعة أريزونا، الذي يعتبر ما يتم في قاعدة إيجلين- أو يعتبر القاعدة نفسها في الحقيقة نموذجا لما يدعو إليه من تعايش الأجناس المهددة بالانقراض على ظهر كوكب الأرض، مع البشر في بيئاتهم المختلفة من خلال سياسة جديدة -وقديمة في الوقت نفسه- يطلق عليها سياسة التعايش بين البشر وبين الأجناس المهددة بالانقراض· يقوم روزينزويج بتعريف تلك السياسة بأنها تستفيد من بعض جوانب ونظريات علم التخطيط البيئي أو إعادة هندسة البيئات الطبيعية في خلق بيئات قادرة على استيعاب البشر والكائنات الأخرى في ذات الوقت·
وفي حين أن علماء البيئة الآخرين، يحلمون ببيئة نظيفة خالية من كافة عوامل التلوث، فإن يوتوبيا الدكتور مايكل روزينزويج، أو جنته الموعودة،تتمثل في محطة للطاقة النووية، وقنوات تبريد يتم تعديلها كي تتحول إلى بيئة لتربية أجناس التماسيح النادرة المعرضة لخطر الانقراض، وحدائق تقع في ضاحية من الضواحي، يتم تجريف أرضها وتسويتها وزراعتها مجددا بطريقة تجعل منها بيئة ملائمة للأجناس الحيوانية والنباتية التي تعيش في الغابة مثل الفئران النادرة الصغيرة الحجم من النوع الذي يمكن وضعه في الجيب، أو حتى طائر نقار الخشب الذي أفزعه دوي القنابل في قاعدةإيجلين·
الفكرة التي يطرحها روزينزويج تركز على إعادة تجهيز الأراضي الخلاء أو المساحات الشاسعة التي يستخدمها الإنسان، بحيث تكون صالحة للأجناس الحية الأخرى التي تعيش على ظهر المعمورة· وهي فكرة كما نرى ليست جديدة تماما حيث سبق أن طرحها العالمألدو ليوبولد في الخمسينيات من القرن الماضي· ولكن الجديد في تلك الفكرة، هو ما تحظى به حاليا من اهتمام متزايد من قبل بعض علماء البيئة الذين يأتي روزينزويج على رأسهم، والذين يؤمنون بأنه ما لم يتم استخدام الأرض بهذه الكيفية، فإن الأمر المرجح هو أن كوكب الأرض سيفقد عددا من أجناس الحيوانات والطيور والنباتات أكبر مما كان يعتقد من قبل· ويقول روزينزويج إن الزيادة المتنامية في عدد السكان على كوكب الأرض، وظاهرة الإحماء الحراري يمكن أن يؤديا في النهاية إلى فناء 95 في المئة من التنوع الحيوي الموجود على ظهر الكوكب في نهاية القرن الحالي·
وبناء على ذلك يدعو الدكتور روزينزويج إلى تحقيق نوع من التعايش في البيئة الطبيعية بين البشر وباقي الأجناس الأخرى، بمعنى إعادة هندسة تلك البيئة بحيث تصبح صالحة لإدخال أصناف جديدة منها····
وتعليقا على هذا الكلام يقول بيتر ريفين مدير الحديقة النباتية في ميسوري والذي يمثل مرجعية كبيرة في حركة البيئة : إن روزينزويج -كما هو واضح- يتناول الموضوع من زاوية مختلفة، ولكنني أتفق معه تماما في أن استراتيجية التعايش تعتبر في غاية الأهمية بالنسبة للمحافظة على الأجناس الطبيعية··· فأنت عندما تتحدث عن المحافظة على أجناس معينة، فإنك مطالب أيضا بالاهتمام بأنواع الأجناس الحيوانية والنباتية التي تعيش خارج المحميات الطبيعية · لقد كنا دائما نقول الشيء نفسه منذ وقت طويل، ولكن كل ما هنالك هو أننا لم نكن نركز عليه بالشكل الواجب، كما لم نقترح عمل نماذج إحصائية، أو نظريات للتعامل معه وهذا هو تحديدا ما يقوم به روزينزويج في الوقت الراهن·
وليس المعنى من ذلك أن ريفين يؤيد روزينزويج على طول الخط· فهو وإن كان قد اتفق معه بصدد النقاط السابقة، إلا أنه لا يتفق مع