أندرو كريباينفيتش رجل حريص، وغزير العلم، تخرج من كلية ويست بوينت وعمل في الجيش الأميركي حتى تقاعد برتبة مقدم. ولكريباينفيتش كتاب معروف بعنوان "الجيش وفيتنام" يعد من كلاسيكيات الكتب العسكرية التي تعالج أساليب خوض القتال في حروب التمرد.
وعلى مدار العام المنصرم، دأب الرجل على توجيه مجموعة قليلة من الأسئلة البسيطة لأصدقائه وزملائه السابقين في الخدمة العسكرية منها: أي استراتيجية من الاستراتيجيات المعروفة في مواجهة التمرد هي تلك التي تطبقونها أيها الزملاء في العراق؟ وما هي المقاييس التي تستخدمونها لقياس تقدمكم؟ كانت الإجابات التي تلقاها مزعجة وهي أنه لا توجد استراتيجية واضحة لذلك، كما لا توجد مقاييس واضحة أيضاً.
وقد قام كريباينفيتش مؤخراً بنشر مقال في العدد الجديد من دورية "فورين آفيرز" تحت عنوان: "كيف نكسب الحرب في العراق" اقترح فيه استراتيجية معينة لذلك. واستراتيجية كريباينفيتش المقترحة ليست بالجديدة. فكل ما فعله الرجل هو أنه قام بوصف الاستراتيجية الكلاسيكية الخاصة بمواجهة التمرد والتي استخدمها البريطانيون في الملايو (وفي مناطق أخرى) في خمسينيات القرن الماضي، والتي روج لها "توم دونيلي" و"جاري شميت" في مقالة نُشرت بصحيفة "واشنطن بوست" يوم 26 أكتوبر 2003، و"كينيث بولاك" في شهادته أمام مجلس الشيوخ الأميركي في 18 يوليو الماضي، ودعا إليها أيضاً ضباط أميركيون كثر.
يطلق كريباينفيتش على هذه الاستراتيجية اسم" بقعة الزيت". والفكرة الجوهرية فيها هي أنك لا تستطيع كسب حرب تمرد عن طريق الخروج في مهام "بحث وتدمير" بهدف قتل المتمردين، لأن هناك المزيد من مقاتلي العدو المنتظرين، وهو ما يعني بالتالي أن الأمر سينتهي بك إلى العودة مرة بعد مرة إلى المدن نفسها التي قمت بمهاجمتها من قبل، لأن المتمردين يظهرون فجأة بعد مغادرتك ويفتكون بأي أحد قام بمساعدتك، مما يؤدي إلى تخويف المدنيين الذين يمثل تعاونهم مفتاح النجاح في مثل تلك الحروب.
ويرى كريباينفيتش أنه يتعين على القوات التي تقوم بمواجهة التمرد أن تدرك أن الأمر المهم بالنسبة لها هو العمل على حماية المدنيين بدلا من القيام بقتل المتمردين، وأنها يجب أن تعمل على إقامة محطات أو ملاذات آمنة في عدد قليل من المدن الرئيسية، ثم تبسط الأمن فيها بدرجة كافية، وتقوم بعد ذلك وبشكل متدرج بتوسيع حجم وعدد هذه الملاذات تماماً بالطريقة ذاتها التي تتسع بها بقعة الزيت على الأرض.
وبمجرد الانتهاء من تأمين بلدة أو مدينة، على هذه القوات أن تلقي فيها جميع الموارد السياسية والاقتصادية التي تجعلها تنمو، وتجعل السكان المحليين يرون رأي العين المزايا التي تعود عليهم من خلال العمل معها. وفي هذه الحالة سيكون بمقدور تلك القوات - والأميركيين الذين يطالعون شاشات التلفاز في الوطن- أن يروا دلائل ملموسة على حدوث تقدم في تلك المناطق التي تم إحياؤها من جديد. وبعد ذلك يجب على القادة العسكريين العمل على مزج قواتهم مع قوات الأمن المشكلة من أبناء تلك المناطق. ومن خلال التواصل الحميم مع السكان المحليين يمكنهم البدء بعد ذلك في استخلاص المعلومات الاستخبارية المهمة التي كان يمكن أن تذهب إلى المتمردين بدلا من ذلك.
وإذا ما سألت المسؤولين الأميركيين: لماذا لم تتبنوا هذه الاستراتيجية؟ فإن الإجابة التي سيقدمونها لك هي أنهم قد قاموا بذلك فعلا. ولكنهم لو كانوا قد قاموا بها حقاً، لما كان طريق المطار في بغداد قد تحول إلى "مصيدة قتل" وإنما كان من المفترض أن يصبح ضمن "بقعة الزيت الأولية".
الحقيقة هي أن الولايات المتحدة لم تطبق هذه الاستراتيجية الواضحة تمام الوضوح، لأنها تتعارض مع بعض التصورات "الرامسفيلدية" المتعلقة بالكيفية التي يجب أن تعمل بها المؤسسة العسكرية الأميركية في القرن الحادي والعشرين ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي.
أولا: أن تلك الاستراتيجية تتطلب وجوداً عسكريا مكثفا للقوات وليس قوات خفيفة قليلة العدد. ثانياً: أنها لا تعزف على وتر تفوقنا التكنولوجي وقدرتنا الحركية وقوتنا النيرانية، وإنما تعترف بأنه على الرغم من أننا نعمل على استغلال نواحي القوة لدينا إلا أن المتمردين يقومون في الوقت ذاته باستغلال نقطة ضعفنا وهي: الافتقار إلى وجود استخبارات أو معلومات قابلة للاستخدام.
ثالثا: لأنها تعني أننا يجب أن نفكر على المدى الطويل، بينما الذي حدث هو أنه ونظرا للتخوف من إرهاق القوات، فإن القادة العسكريين الأميركيين قاموا بتنفيذ تلك الحملة وأعينهم مركزة على أبواب الخروج. وهكذا رأينا الكثير من الخطط العسكرية تمتد فقط إلى النقطة الفاصلة التالية كنقل السيادة إلى العراقيين، أو إجراء الانتخابات مثلا. علاوة على أننا كنا نقوم بتدوير القادة العسكريين الناجحين ونعيدهم إلى الوطن بعد انقضاء فترة قصيرة من الخدمة في العراق على الرغم من حاجتنا الماسة لخبرتهم. وأخيراً أن استراتيجية بقعة الزيت كانت ستفرض علينا الاعتراف بأن الحرب التي نخوضها حرب ط