ما زال الوضع غامضاً في ما يتعلق بمسودة الدستور العراقي، والخلاف يبقى على بعض الأساسيات، وبالتالي شكل الدولة التي ستولد نتيجة مداولات الخبراء والسياسيين، ومن هذا المنطلق لا نستغرب الجدل الحامي الوطيس وصراع الأطراف على البنود المفصلية لهذه الوثيقة المهمة.
ونجد أننا أمام معادلة مفصلة ومعقدة عند قراءة المسودة المتاحة من الدستور العراقي المقترح، وهذا شأن العديد من الدساتير الفيدرالية التي تتميز بتفاصيلها المعقدة مقارنة بدساتير الدول البسيطة أو الموحدة. وفي الحالة العراقية يزيد التعقيد نتيجة للتاريخ الدموي الذي كرسته الأنظمة الاستبدادية المتعاقبة، بالإضافة إلى انعدام الثقة بين المجموعات الإثنية المختلفة التي تعاني من عقدة القمع وتنشد الخلاص من خلال رؤى سياسية متباينة، وفي العديد من الحالات رؤى طائفية أو فئوية.
ومع هذا لابد من أن نشير إلى أننا أمام مسودة وضعها ممثلو الشعب العراقي، وبالتالي نجد أن الإرادة الشعبية حاضرة في هذا الدستور، وهو في هذا الجانب يواكب روح العصر ويمثل حالة نادرة في العالم العربي. فالدستور العراقي عندما يتم إقراره يمثل ولادة قيصرية ولكنها شرعية، مقارنة بالعديد من الدساتير العربية السابقة والحالية والتي فرضت بفرمان صادر من مجلس قيادة الثورة أو حاكم مستبد يتمتع بسلطة مطلقة. ونضيف، أن الإرادة الشعبية العراقية تبقى، بطبيعة الحال، منقوصة نتيجة المقاطعة السنية الكبيرة للانتخابات السابقة، ولا شك أن هذه المقاطعة كانت خطأ سياسياً جسيماً ومن خلال العديد من التصريحات نخمن أنه خطأ لن يتكرر.
ولأن الدستور جاء نتيجة لعملية سياسية احتوت على درجة عالية من التمثيل، نجد أنه حديث من حيث تأكيده على العديد من الحريات والحقوق الشخصية ومحاولته الحد من بطش الدولة الذي طالما تعوّد عليه العراقيون وأصبح جزءاً من إرثهم وتاريخهم الحديث. ومع هذا برزت الفئوية الطائفية في بعض مواده التي تريد أن تعطي العراق بعض أشكال التنظيم الإيراني للدولة، ولكنها في الحالة العراقية محدودة نتيجة التوازنات الضرورية بين العرب السنة والعرب الشيعة والأكراد، ونضيف إليهم وجود توجه علماني قوي لدى العديد من العراقيين الذين لا يريدون التدخل الواضح للمؤسسة الدينية في الدولة. ولعل التخوف من دعوة السيد عبدالعزيز الحكيم يأتي من هذا الباب، أي لأنه يدرك أنه لا يستطيع أن يؤسس ولاية الفقيه في العراق كله، يبقى أمله وأمل محازبيه تأسيس مثل هذا النظام الثيوقراطي الشيعي في الإقليم الفيدرالي الذي يشمل تسع محافظات في الجنوب والوسط.
الجانب الآخر الذي لابد من الإشارة إليه من خلال قراءة المسودة، هو التعقيد الذي يشمل العملية السياسية والإدارية في الدولة التي ستتأسس على بنود هذه الوثيقة، فالتفاصيل عديدة بين السلطات المحلية والاتحادية وبين السلطات الثلاث من تنفيذية وتشريعية وقضائية، وفي الواقع السياسي بين الشخصيات السياسية من قادة الأكراد والسنة والشيعة. وأعتقد أن ممارسة هذه النصوص على أرض الواقع ستمثل امتحاناً عسيراً وطريقاً شاقاً ومضنياً، وسيتطلب الأمر مخزوناً كبيراً من الصبر والمثابرة وقبولاً كبيراً بالتوافقية والحلول الوسط. وأتساءل إن كان العراقيون سينجحون في هذا الامتحان، وسؤالى مصدره قلة التجربة السياسية الدستورية في التاريخ العراقي من جهة، ووجود جيوش خاصة لدى بعض الأطراف كالبشمرجة وقوات بدر، مما يجعل الرغبة في الأخذ والعطاء والمرونة في المسائل العامة صعبة التحقيق.
هل المشكلة تكمن في الاستعجال الأميركي لاستصدار مثل هذا الدستور كما يرى البعض؟ لا أعرف الإجابة على مثل هذا التساؤل، وأعتقد أن العديد من المناقشات والمحاور كانت ستتكرر حتى وإن كان هناك المزيد من الوقت. فللأكراد مطالبهم الواضحة ووجودهم المستقل في الشمال، أما الجانب الشيعي فما زال في مرحلة تقليد التجربة الإيرانية، كما أن المرجعيات الدينية احتكرت تمثيل هذه المجموعة الأساسية والمؤثرة. وأعود وأكرر أن الطرف السني جاء ضعيفاً ومشاكساً في هذه الجولة لأنه لم يدخل اللعبة السياسية كما كان يجب أن يدخلها من بوابتها الانتخابية. ونبقى نتابع هذا المخاض الصعب.