وصف الرئيس بوش عملية كتابة الدستور العراقي "بالعملية المثيرة" ناسيا أنه بدلا من أن تسهم تلك العملية في تعزيز الوفاق الوطني، ضاعفت من احتمال اندلاع حرب أهلية مدمرة. فالدستور كما تمت صياغته وضع الإسلاميين في مواجهة العلمانيين، والشيعة في مواجهة السنة، والعرب في مواجهة الأكراد، ثم النساء في مواجهة الرجال. والمحصلة النهائية أن العراق أصبح بعيداً كل البعد عن تلك الصورة التي كان يحلم بها الرئيس بوش عندما وعد الشعب العراقي بالحرية.
فقد اعتقدت الولايات المتحدة في 2003 أنها بمجرد إطاحتها بنظام صدام حسين البعثي سوف تحل الديمقراطية الليبرالية في قلب العالم العربي. غير أنه ومنذ ذلك الحين أخذت واشنطن تقلص تدريجيا من حجم توقعاتها حيال العراق والمنطقة. والدليل أنها تقوم اليوم بمساندة دستور يمهد الطريق أمام حكم ديني غير ديمقراطي ومخالف تماماً للمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان. ولعل أبرز مثال ما نص عليه الدستور من اعتبار الإسلام الدين الرسمي في العراق، وإحلال الشريعة الإسلامية "كمصدر رئيس للتشريع"، علاوة على عدم السماح بسن أي قانون قد يخالف "المعتقدات الأساسية للإسلام". والأكثر من ذلك السلطة التي يمنحها الدستور لرجال الدين، حيث يحق لهم بموجب مقتضيات الدستور أن يشاركوا في المحكمة الفدرالية العليا بالعراق، ويوقفوا القوانين المنافية للمبادئ الإسلامية. وبإقامة المحاكم الدينية، التي أنيطت بها مهمة البت في الأحوال الشخصية المتعلقة بقضايا الزواج والطلاق والميراث، ضاعف الدستور من تضييقه على الحقوق الأساسية للمرأة.
ومع ذلك لم يكف بوش عن التشديد على ضرورة إحراز التقدم على المسار السياسي لإضعاف المتمردين. ولكي يتحقق ذلك التقدم يتعين على كافة العراقيين بمختلف طوائفهم وأعراقهم أن ينخرطوا في الدستور ويقبلوا به كوعاء شامل يكفل مصالح الجميع. وهو الأمر الذي يتعذر في الوقت الراهن، حيث يشعر العرب السنة، الذين يعيشون في المناطق التي ينشط فيها التمرد، بأنهم مبعدون عن المشاركة في العملية السياسية، فضلا عن أنهم لا يخفون حنقهم من الإقصاء الذي لحقهم في المفاوضات الجارية حول الدستور. ويرجع استياء السنة من العملية السياسية إلى انتخابات الجمعية الوطنية في يناير الماضي، حيث فضلوا عدم الإدلاء بأصواتهم. واستمر إقصاؤهم من المعترك السياسي عندما قامت الحكومة العراقية الجديدة، التي يسيطر عليها الأكراد والشيعة، بتعيين شخصين فقط منهم في لجنة صياغة الدستور. ولم يتم إشراك 15 من الأعضاء السنة في اللجنة إلا بعد أن أثيرت مخاوف حول مدى شرعية لجنة لا تمثل كافة ألوان الطيف العراقي. لكن ما أن بدأت المصاعب تطفو إلى السطح وتزايدت المعارضة السنية حول بعض النقاط في وثيقة الدستور حتى فقد بعض العراقيين صبرهم وأبعدوهم عن المفاوضات. وبعدما لم يبق سوى يوم واحد على انقضاء الأجل المحدد لتسليم الدستور قدمت نسخة منه إلى الأعضاء السنة في اللجنة باعتباره أمراً واقعاً. وبالرغم من اعتراضهم على 20 نقطة وردت في المسودة، إلا أن اللجنة تجاهلت مخاوفهم ورفعت المسودة إلى الجمعية الوطنية التي بدلا من أن تقوم بتنقيحها، طرحتها مباشرة على الاستفتاء في 15 أكتوبر المقبل. بيد أن ذلك لن يجدي نفعاً إذا ما اختار ثلثا الناخبين التصويت بلا في ثلاث محافظات على الأقل.
وقد أسّر لي مؤخراً أحد القادة السياسيين العراقيين أن العرب الشيعة يخططون للتسجيل في المحافظات السنية وذلك للتلاعب بالتصويت لصالح المصادقة النهائية على الدستور. ولا شك أن المتمردين منهمكون في تجميع قواهم وشحذ أسلحتهم لإفشال المصادقة على المسودة، حيث سارعت منظمة القاعدة في بلاد الرافدين إلى توجيه دعوتها إلى العرب السنة بالتصويت ضد الدستور. وهكذا فبدلا من أن يسهم الدستور في التقريب بين الشيعة والسنة، أجج فتيل الصراع بينهما وفتح الباب على مصراعيه أمام حرب لا تبقي ولا تذر. زد على ذلك ما يشكله أبو مصعب الزرقاوي من خطورة على عملية الاستفتاء على الدستور، حيث من المتوقع أن تتصاعد الانفجارات الإرهابية خلال عملية التصويت مستهدفة مراكز الاقتراع.
وإذا كان الأكراد قد نالوا كل مطالبهم وحققوا طموحاتهم الخاصة بالفدرالية واللغة الكردية بالنظر إلى الظلم الذي وقع عليهم طيلة الفترة السابقة، فقد أدت تلك الامتيازات العديدة التي حصل عليها الأكراد إلى إغضاب السنة، خصوصا فيما يتعلق بمسألة الفيدرالية التي يعتبرونها الطريق المفضي إلى تقسيم العراق وتهديد وحدته. وإزاء هذا الوضع المعقد في العراق وتعذر الوصول إلى توافق بين كافة القوى العراقية مارست إدارة بوش ضغوطا كبيرة على العراقيين ليقدموا مسودة الدستور في الموعد الجديد. وترجع هذه الضغوط إلى رغبة بوش في الانتهاء بسرعة من الموضوع العراقي وسحب قواته من بلاد الرافدين بأقل الخسائر. وهي الخسائر التي يبدو أنها ستكبر مع الوقت إذا لم يتم إنجاح العملية السياسية وإقامة حكومة عراقية تتمتع بالشرعية وتستطيع مباشرة أعمالها في حفظ الأمن وت