قبل نحو عامين كتبنا وكتب غيرنا محذرين من محاولات خفية تجري على يد جماعات إسلامية متشددة لتحويل بنغلاديش إلى باكستان أو أفغانستان أخرى لجهة قتل استقرارها وديمقراطيتها ووجهها التعددي وإخراج مجتمعاتها من سمة الاعتدال التي تميزت بها وجرها إلى حروب ميليشاوية، وصولا إلى إقامة ما يشبه نظام طالبان المدحور. وأتذكر وقتها أن سفارات دكا في الخليج نشطت في البحث عن كاتب هذا المقال لتعنفه على تحليله ولتنفي جملة وتفصيلا وجود أي خطر أصولي يهددها، بل اشتكته إلى وزارة الإعلام في أكثر من بلد خليجي، الأمر الذي لا تقوم به إلا سفارات الأنظمة التي لا تهضم النقد وليس لديها ما تفند به حجج الآخرين.
والحقيقة أن هذا الموقف لم يكن غريبا. فمنذ وصول حزب بنغلاديش الوطني بقيادة رئيسة الحكومة السيدة خالدة ضياء إلى الحكم في أكتوبر 2001 عبر تحالفه مع حزب جماعت إسلامي - أو الفرع البنغلاديشي لتنظيم الإخوان المسلمين ذو الارتباط القوي بمثيله في باكستان وذو النبرة المتعاطفة مع أجندة تنظيم القاعدة - والحكومة تنفي كل تقرير يتناول خطورة ذلك التحالف وما برز على هامشه من استغلال قوى الإسلام السياسي لوجودهم في السلطة لنشر أفكارهم وتمرير أجندتهم الخاصة وحماية أشباههم الهاربين من دول أخرى آسيوية وعربية وإقصاء معارضيهم من الجماعات العلمانية والإسلامية المتنورة.
والملاحظ في هذا السياق أن الحكومة عادت في أكثر من مناسبة لتعترف ببعض ما نفته سابقا واتهمت المعارضة بترويجه، وذلك كنتيجة لاشتداد الضغط الخارجي عليها وحاجتها لتحسين صورتها من أجل تفادي العزلة الدولية واستمرار تدفق المساعدات الخارجية عليها. فقد سبق وأن نفت وجود مؤسسات على أراضيها من تلك التي يدعم القيمون عليها الفكر المتشدد، ثم قامت بنفسها بإغلاق الفروع السبعين لمؤسسة الحرمين وطردت مسؤوليها، فيما يشبه الاعتراف بالتقارير القائلة إن تلك المؤسسة الخيرية تحولت إلى مظلة لتمويل الجهاديين. كما أنها نفت مرارا التقارير الغربية والدولية حول استغلال الأطفال في العمل الشاق، وحول غض النظر عن تطبيق عقوبات الرجم والجلد في المناطق التي يهيمن عليها الإسلاميون، لتعود تحت الضغط وتعترف بالمشكلتين وتتخذ بعض الإجراءات حيالهما. والحكومة التي نفت على مدى سنوات التقارير التي تحدثت عن تحول البلاد شيئا فشيئا منذ منتصف التسعينيات إلى ساحة تتكاثر فيها التنظيمات الميليشاوية المرتبطة بفكر تنظيم القاعدة، هي التي عادت تحت وطأة الخوف من العقوبات الدولية فحظرت في بداية العام الجاري "جماعة المجاهدين" وتنظيم "جاغاراتا مسلم جاناتا بنغلاديش" واعتقلت العديد من رموزهما، لكن دون أن تتمكن من الرأسين الكبيرين للتنظيم الأول وهما "مولانا عبدالرحمن" و "صديق الرحمن" (المعروف باسم بنغالا باي)، بل إنها سرعان ما أفرجت تحت ضغط حلفائها الإسلاميين عن القيادي البارز في جماعة المجاهدين الأكاديمي المتشدد أسد الله غالب. والتنظيمان المذكوران اللذان يشتبه بأنهما جسم واحد ويستخدمان اسمين مختلفين، بل أسماء أخرى عديدة مثل "حزب التوحيد" و "توحيدي جاناتا" و "إسلامي شانغا" و "شهادتي حكمة"، بقصد التمويه متهمان بالضلوع في عمليات إرهاب وتحريض وقتل وتفجير ضد دور السينما والنساء السافرات وأساتذة الجامعات الليبراليين والصحفيين العلمانيين، ناهيك عن استهدافهما لجماعة "الاحمدية" المثيرة للجدل لجهة تصنيفها الديني وضد رموز حزب عوامي، بما فيهم الشيخة حسينة واجد التي نجت بأعجوبة من هجوم بالقنابل في أغسطس 2004 أثناء اجتماع جماهيري في دكا. هذا الهجوم الذي برأت الحكومة الإسلاميين المتشددين منه بقولها إنه ناجم عن صراعات داخلية في حزب عوامي.
وجاءت التفجيرات الخمسمائة في السابع عشر من أغسطس الجاري، والتي وقعت في وقت متزامن في 60 مدينة وبلدة على امتداد بنغلاديش واستهدفت المؤسسات الحكومية والمجمعات التجارية والشوارع الرئيسية المكتظة لتؤكد مرة أخرى خطورة الوضع ولتضع حكومة السيدة ضياء في موقف حرج. إذ أنه باستثناء البعض ممن تستهويهم نظرية المؤامرة فينسبون كل عمل تخريبي إلى جهاز الموساد أو أجهزة المخابرات الغربية والهندية، فإن كل الدلائل تشير إلى مسؤولية جماعة المجاهدين المحظورة عن هذه الأعمال الإرهابية الأخيرة، خاصة مع وجود آلاف المطويات المكتوبة باللغتين البنغالية والعربية في مواقع التفجير من تلك التي تحمل اسم التنظيم وتتوعد الرئيس الأميركي ورئيس الحكومة البريطانية وتدعو إلى نبذ الديمقراطية على اعتبار أن القرآن والسنة لا يجيزانها وإلى القتال من أجل تحرير البلاد من المشركين والكفار وإقامة الدولة الإسلامية المطبقة لشرع الله.
غير أن هذا التنظيم ما كان ليمتلك مثل هذه القوة لولا صمت وتراخي حكومة السيدة خالدة ضياء الطويلين حياله، مجاراة لخواطر شرائكها الإسلاميين، وطمعا في نيل دعمهم لها للاستمرار أطول فترة ممكنة في الحكم، هي التي كرر رموزها في أكثر من مناسبة أنهم لن يسمحوا لحزب المعارضة بالعودة إلى