لقد تساءلت كثيراً حول ماهية الخطاب الإعلامي الذي تتبناه وسائل "الإعلال" في وطننا العربي من محيطه إلى خليجه؟ وفي سبيل الإجابة عن هذا التساؤل رصدت لفترة ما تعرضه قنواتنا الفضائية من برامج، وما تتناوله الصحف من أخبار وتحقيقات ومقالات، وكانت النتائج صادمة:
- فالتسلية والإسفاف والتفاهة والتهريج هي العنوان المناسب للرسالة الثقافية التي تتبناها معظم الفضائيات، وللأسف غير معروف الهدف منها أو تأثيرها على المتلقي.
- البرامج الحوارية في معظمها شعارات جوفاء ولقاء بين (الطرشان)، وصراع بين المتحدثين يزايد على المشاهدين دون النظر لمصالح الأمن القومي أو مصالح الشعوب.
- لا حديث عن المستقبل وكيف نراه؟ وما هي الجهود التي تبذل لتحسينه؟!
- طرح الهموم والمشكلات والقضايا التي تمس المواطن وحياته بشكل عابر لا يتسم بالعمق الكافي، كتحصيل حاصل وذر للرماد في العيون، حتى لا تتهم أجهزة "الإعلال" بعدم تناولها للقضايا الداخلية.
- اختزال الحياة الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة السوية في مشكلات الطلاق والزواج والعنوسة والمكياج والأزياء.
- استنساخ البرامج الأجنبية دون وعي، لتغطية فترات البث، ومعظم القنوات ليس بينها أي فرق في شكل وصورة المذيعة وأسلوب أدائها، فهي مسخ متكرر لا يحمل أي انعكاس للشخصية الوطنية أو المجتمع الذي تُبث منه القناة.
- تناول الأحداث بأسلوب سطحي وتافه، فكيف نبرر أن يتحدث (خبير استراتيجي)، وما أكثرهم، من دولة بعيدة تماماً عن أحداث جرت للتو في دولة أخرى، وهو لا يملك أية معلومات عما حدث، ولا يعلم أي شيء عن البيئة التي جرى بها الحدث، بل إن معظمهم ربما يجهل مكانه على الخريطة!
- بات "الإعلال" المرئي بوق الدعاية المشجع على النمط الاستهلاكي في المجتمع.
- المقالات توجه إلى بوش الصغير الجاهل، وبلير التابع، وشارون الملعون، بينما الخطاب الإعلامي موجه في معظمه للقراء العرب لصياغة الرأي العام، ولا يهتم أحد بما نكتبه في صحفنا، كما أن معظم العرب الذين يقرؤون الصحف يطالعون الحظ والرياضة وأخبار النجوم فقط، وربما يحلون الكلمات المتقاطعة لتمضية الوقت أثناء العمل.
- أضحت الصحافة مهنة من لا مهنة له، الكل يكتب في كله، والنتيجة أن أحداً لا يقرأ، فالكل مشغول بالكتابة.
- لجوء الأجهزة الحكومية إلى التوعية في المساجد وفي الطرقات وفي مراكز التسوق والندوات بعد أن شعرت بأن جدية ما تطرحه لا يتماشى مع أجواء الإعلام.
- بات التنافس بين وسائل الإعلام فيمن يزيد جرعة "العري" و"الإسفاف" ليجذب المشاهد أو القارئ أو المستمع.
- ضاع السمين وسط الكم الهائل من الغث.
- بات بعضهم يدعو الله أن يعجرم (نسبة إلى نانسي عجرم) نساءه ويهيف بناته (نسبة إلى هيفاء وهبي)، "فالإعلال" ركز على ترويج مقاييس للجمال أصبحت محصورة ومحددة في نماذج بعينها.
- أحياناً يكون العمل "الإعلالي" دون أن يدري يخدم أهدافاً معادية تؤثر على الأمن والاستقرار الداخلي، أو يشجع على قيم تخالف قيم وأعراف المجتمع المنتمي إليه.
- انتشار المحسوبية والفساد الإداري والشللية في أجهزة ووسائل "الإعلال".
وبعد كل هذا نتساءل عن موقف الرأي العام العربي من قضاياه، أو عن حقيقة تدهور قيم المجتمع العربي وتغير اهتمامات الجماهير، أو عن أسباب نجاح الفكر التكفيري في جذب الشباب إليه، أو حتى السؤال عن: ماذا نريد وإلى أين نتجه وما هو المأمول من الإعلام؟!
العالم يتحدث عن "حرب الأفكار" الذي هو من صميم عمل وسائل الإعلام، في حين أن العرب يتحدثون عن "حروب في الفن"، والعالم يعتبر الإعلام أحد أهم وسائل "القوة الناعمة" التي تستخدمها الدول للتأثير في القلوب والعقول دون الحاجة إلى استخدام وسائل قهرية أو أدوات "القوة الصلبة"، ورغم بطء ظهور نتائج "القوة الناعمة" إلا أنها تتسم بالثبات والاستمرار لفترات طويلة، وذات أثر أعمق.
من هنا يصعب الحديث عن دور للإعلام العربي دون وجود استراتيجية إعلامية واضحة تحدد بدقة مهام وسائل الإعلام، سواء المرحلية أو الانتقالية أو الوقتية، والقيود والفرص المتاحة المؤثرة على تنفيذ هذه المهام، ثم استراتيجية التنفيذ التي ستصاغ منها السياسة الإعلامية وبرامج كل وسيلة إعلامية.
إذن إلى أين يتجه الإعلام في كل قطر عربي دون وجود استراتيجية؟ من البديهي في تلك الحالة أن يسير العمل الإعلامي بصورة عشوائية معتمداً على الأهواء الشخصية، ومفتقراً لأي سمة خاصة تميزه، ليصير "مسخاً"، أو تسديداً لخانة حتى يقال إن العرب يملكون وسائل للإعلام، بغض النظر عن كون هذا الإعلام مفرغاً من مضمونه وفاقداً لهويته الوطنية وخصوصيته، أو متورطاً فيما يضر الوطن عن قصد أو دون قصد.
من المعروف أن الإعلام أحد وسائل الاتصال الجماهيري الذي يمثل حلقة الوصل بين الرأي العام وصانعي القرارات، وعليه يقع عبء خلق التفاعل الطبيعي بين اهتمامات وقضايا الرأي العام وقرارات السلطة السياسية، الأمر الذي يضمن الحفاظ على الاستقر