تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى البناء على التوتر الذي يسود علاقاتها مع كوريا الشمالية واستعداد هذه الأخيرة إلى استئناف المحادثات حول برنامجها النووي من أجل إرساء أسس خطتها الاستراتيجية الجديدة في الشرق الأقصى. وليس غريبا أن تبدأ تلك الخطة الاستراتيجية باليابان التي قامت فيها نخبة من المحافظين الوطنيين مؤخراً بالاصطفاف وراء الأهداف العسكرية والسياسية التي تسعى أميركا إلى تحقيقها في القارة الآسيوية، وذلك على خلفية مجموعة من العوامل تشمل البرنامج النووي لكوريا الشمالية والصعود المتنامي للصين مع ما رافق ذلك من تنظيم مظاهرات مناوئة لليابان ساهمت في تقريب المصالح اليابانية والأميركية أكثر من أي وقت مضى.
وبالنظر إلى المعايير الآسيوية في العلاقات الخارجية التي يعتريها الفتور، فإن ما أقدمت عليه طوكيو من تحول يعتبر مثيرا بكل المقاييس. فلم تكتفِ اليابان بإرسال قواتها إلى العراق، أو التعاون مع الجهود الأميركية لتطوير الدفاعات المضادة للصواريخ في آسيا، بل أعربت اليابان ولأول مرة عن دعمها للولايات المتحدة وتايوان في الرد على أية محاولة قد تقوم بها الصين لإخضاع الجزيرة بالقوة. ولم يكن ذلك هو التحول الوحيد بل هناك تغير لا يقل أهمية عنه يتمثل في التقارب الذي تشهده العلاقات الأميركية الهندية. ومن هذا المنطلق يمكن أن تصبح العلاقات مع اليابان والهند أكثر أهمية من الصلات التي تربط أميركا مع كل حلفاء الحرب الباردة. وهذا ما يؤكده نيكولاس بورن ثالث أبرز مسؤول أميركي في وزارة الخارجية عندما يقول " إذا ما نظرت إلى ما ستكون عليه السياسة الخارجية الأميركية في العالم خلال الثلاث أو الأربع سنوات المقبلة، فإن أهم ما سيميزها هو التركيز الجديد على جنوب آسيا، خصوصا فيما يتعلق بإقامة علاقة شراكة استراتيجية مع الهند".
وبالرغم من أن بعض المراقبين ذهبوا إلى أنه مع وصول حزب "المؤتمر" الهندي ذي المواقف المناهضة تقليديا لأميركا إلى السلطة السنة الماضية من شأنه أن يوقف مسيرة التقارب بين أكبر ديمقراطيتين في العالم، إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث. وبقي التقارب صامدا حيث أعربت الولايات المتحدة مؤخراً عن استعدادها لمساندة الهند لتصبح "قوة عالمية"، (تم تفعيل هذا التعاون من خلال الاتفاق الذي أبرمته واشنطن مع نيودلهي لتزويد الأخيرة بتقنيات نووية للاستخدام السلمي) كما أنه من المرتقب أن يناقش رئيس الوزراء الهندي سبل تعميق التعاون الاقتصادي والأمني مع أميركا خلال زيارته إلى البيت الأبيض في الشهر المقبل. ومن المرجح كذلك أن تتعمق أواصر التعاون بين الهند واليابان حيث بدأت تنظر طوكيو إلى الهند على أنها شريك استراتيجي ممتاز في ضوء ما تنظمه الصين من مظاهرات ضد إقامة علاقات تجارية مع اليابان التي لم تبدِ أسفها على تاريخها الاستعماري حسب رأي الصين. وإذا قامت اليابان بضخ أموالها وتقنيتها المتطورة في شرايين الاقتصاد الهندي فإن من شأن ذلك أن يسرع عجلة النمو الهندية على نحو مطرد ويدعم توازن القوى في القارة الآسيوية.
وإلى جانب ذلك تقوم واشنطن بتحرك آخر في اتجاه فيتنام حيث أجرت مناقشات مع مسؤولين عسكريين فيتناميين، كما التقى الوزير الأول الفيتنامي فان كي مع الرئيس الأميركي الثلاثاء الماضي وذلك لحث الفيتنام على مراقبة الطرق البحرية الحيوية في المنطقة التي يهددها القراصنة، وهي منطقة ذات أهمية كبيرة بالنسبة لليابان. وتتجلى الأهداف البعيدة المدى للاستراتيجية الأميركية الجديدة في جنوب آسيا في ربط اقتصاد اليابان الراكد باقتصاد الهند الصاعد وذلك من أجل مواجهة القوة المتنامية للصين في آسيا. وهو نفس ما تسعى إليه أستراليا التي بدأت تبدي اهتماما ملحوظا بالهند بسبب تمدد النفوذ الصيني في المنطقة، ناهيك عن محاولة استقطاب إندونيسيا إلى جانب أميركا وإدراجها على أجندة الاستراتيجية الجديدة، لا سيما وأنها كانت دائما تحترس من الصين. وتأمل إدارة بوش من وراء هذه الخطوات إلى نسج شبكة استراتيجية يمكن مع الوقت أن تُقنع الصين بإبقاء طموحاتها في حدود معقولة. أما الأهداف القصيرة المدى للاستراتيجية الأميركية فتتمثل في تغيير حسابات الصين حول البرنامج النووي لكوريا الشمالية. فبالبرغم من أن بكين لا ترحب بامتلاك بيونج يانج لأسلحة نووية، إلا أنها في نفس الوقت تعارض فرض عقوبات على كوريا الشمالية قد تؤدي إلى انهيار جارتها المتاخمة لها. وبالطبع لا ترغب الصين في حدوث ذلك لأنه من شأنه أن يرسل جحافل من اللاجئين إلى الصين، كما أنه قد يعطي ذريعة لأميركا للتواجد عسكريا في كوريا الشمالية على مقربة من الحدود الصينية. لذا تعتبر الصين أن أخطار عدم الاستقرار تفوق بكثير تكاليف الوضع الراهن.
غير أن الورقة الحرجة بالنسبة لواشنطن في استراتيجيتها الجديدة تبقى هي كوريا الجنوبية التي تشير بعض استطلاعات الرأي فيها بأن خطر الولايات المتحدة يسبق خطر كوريا الشمالية. فسيول شأنها في ذلك شأن الصين تبدي مخاوفها الشديدة من عدم استقرار