كان بوش يتمنى أن يهنأ ببضعة أسابيع من شهر أغسطس مستريحا في مزرعته بكروفورد في تكساس. فالكونجرس مستغرق في فترة راحته، كما أن النخبة السياسية في إجازتها السنوية. غير أن ظهور شخصين خلال الأسبوعين الأخيرين أفسد على الرئيس عطلته الصيفية. كان الشخص الأول امرأة من عموم المواطنين وهي السيدة سيندي شيهان التي قتل ابنها كيسي شيهان في العراق سنة 2004. أما الشخص الثاني شاك هيجل فهو عضو مرموق في مجلس الشيوخ من نبراسكا، فضلا عن كونه جمهوريا من قدماء المحاربين في فيتنام. ونظرا لسخط السيدة كيسي على مقتل ابنها قامت بنصب خيمتها بالقرب من الطريق المؤدية إلى مزرعة الرئيس تعبيراً على احتجاجها على الحرب. ولم تمكث إلا قليلا حتى حظيت بتغطية إعلامية واسعة، وتصدرت قصتها صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون، خصوصا وأنها جاءت في سياق مشجع تمثل في خيبة الأمل التي بدأت تخلفها حرب العراق لدى الشعب الأميركي ومعدلات شعبية بوش الآخذة في الانحسار.
وقد أخذت تصريحات السيدة شيهان نبرة حادة اتهمت فيها الرئيس بوش "بالإرهابي الأكبر" وبأنه "يشن حرباً نووية في العراق"، وهو ما نجم عنه ردة فعل قوية ضدها في أوساط مؤيدي بوش وجعلها محط انتقادات من قبل مساندي الرئيس ومناوئيه على حد سواء. ولم تأتِ هذه الأحداث بعيدة عما يحدث داخل الحزب الديمقراطي وموقفه المعلن تجاه الحرب. فإذا كانت أغلبية الديمقراطيين، بمن فيهم مرشحو الانتخابات الرئاسية لـ 2008 مثل عضوي مجلس الشيوخ جوزيف بيدن وهيلاري كلنتون، يساندون الحرب في العراق، بالرغم من انتقاداتهم للطريقة التي تدار بها، فإن البعض الآخر مثل السيناتور راسل فينجولد ما فتئ يعارض الحرب ويطالب بوضع جدول زمني لسحب القوات الأميركية من العراق. وبالطبع سوف يتعزز موقف بوش كلما تحسنت الأمور في العراق، حيث سيصور الديمقراطيون بالمبالغين في إثارة المخاوف. لكن حتى لو فشل المشروع الأميركي في العراق، فإن العديد من الأميركيين سيعتبرون الديمقراطيين مسؤولين عن هزيمة القوات الأميركية بسبب خطابهم الذي رفع معنويات العدو وأمده بالأمل في النصر.
ولعله في هذا السياق جاءت تصريحات السيناتور شاك هيجل المناوئة للحرب. بيد أن الوزن الذي يتمتع به هيجل كمحارب قديم في فيتنام وأحد المحافظين المتشددين في القضايا السياسية والاجتماعية يضفي على تصريحاته أهمية خاصة. ومن تلك التصريحات دعوته الصريحة للخروج من العراق وتشبيهه الوضع هناك بما كان يجري في فيتنام. وبالتأكيد يشكل السيناتور هيجل شوكة في حلق بوش الذي لا يستسيغ مثل هذه المعارضة، لا سيما عندما تصدر من شخصيات نافذة مثل شاك هيجل. وبالرغم من تصريحاته اللاذعة، مازال هيجل يحافظ على شعبية كبيرة في أوساط الحزب الجمهوري، الأمر الذي يضعه كمرشح محتمل في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وليس هيجل الوحيد الذي يؤمن بضرورة سحب القوات الأميركية من العراق، بل تجد هذه الأفكار صدى لها لدى العديد من الجمهوريين الذين لا يخفون خشيتهم من تردي الأوضاع في العراق وتضرر أميركا من تواجدها هناك. وقد بدأت هذه الأصوات المعارضة تعلو بالتحديد فيما يعرف "بالولايات الحمراء" التي تميل أكثر إلى الجمهوريين، خصوصا عندما يرجع النواب الجمهوريون إلى ولاياتهم في عطلة نهاية الأسبوع ويسمعون إلى شكاوى ناخبيهم.
بالإضافة إلى ذلك بدأت شعبية الحرب تتراجع لدى الحرس الوطني ووحدات الاحتياط الذين يعانون من طول مكوثهم في العراق ويبدون تذمرهم من الأوضاع الخطرة التي تحيق بهم. وأمام تنامي الأصوات المعارضة لاستمرار الحرب يجد البيت الأبيض نفسه في مأزق حقيقي. فإذا لم تتحسن الأمور في العراق على نحو ملحوظ سوف تتحول الحرب إلى عبء سياسي ثقيل سيؤثر سلباً على الانتخابات النيابية في 2006. وفي حالة تضرر الجمهوريين في تلك الانتخابات وإحرازهم نتائج غير مرضية، فإن موقف بوش سيضعف كثيرا وسيدخل التاريخ ليس كما كان يريد هو، بل كما شاءت له الأقدار.
Classifications
Comments and Actions
Present in Collection Proofed. Originally received in RAPIDBrowser on Sat 27 Aug 2005 13:57 GMT+04:00
This item was derived from: جيفري كمب/ص 2/الأحد/28-8-2005