من المعروف أن ثمة مشاكل صاحبت الصهيونية منذ نشأتها ولازمتها عبر تاريخها ولا تزال تطرح نفسها على الوجدان الإسرائيلي والصهيوني، بل بدأت تزداد حدتها. وتناول هذه المشاكل في المؤتمرات الصهيونية واقتراح بعض الحلول أصبح مثل الأسطوانة المشروخة المملة التي تكرر نفسها. وقد جاء في مقال ناتان غوتمان "الهوية اليهودية في أزمة" (هآرتس 22 يونيو 2005) أن عددا من القيادات اليهودية المهتمة بالبعد الاجتماعي عقدت اجتماعاً بالقرب من واشنطن وكان من بينهم المحامي آلان درشو فيتس، وستيوارت أيزنشتات، نائب وزير المالية الأميركي سابقا، وناتان شارافسكي، الوزير الإسرائيلي السابق، والحاخام شموئيل سيرات، الحاخام الأكبر لفرنسا سابقا، ومايكل ستارينهارت، وهو من أكبر المتبرعين اليهود في الولايات المتحدة، ودينيس روس، مبعوث الرئيس كلينتون للشرق الأوسط، والبروفيسور الإسرائيلي يخرقيل درور وآخرون. وقد وصفت المجموعة نفسها بأنها مجموعة التنبؤ للشعب اليهودي، ولكنها لا تحاول التكهن بالمستقبل فحسب، وإنما تحاول التأثير عليه حتى يكون الشعب اليهودي في حالة أفضل في المستقبل. وقد توصل المجتمعون إلى متتاليتين اجتماعيتين بخصوص مستقبل اليهود. والمتتالية الأولى متفائلة وتذهب إلى أن اليهود سيزدهرون وسيزداد عددهم. ولا أدري ما سبب هذا التفاؤل، فاستنادا إلى ما حدث في القرن الماضي والذي تناقص فيه عدد اليهود بشكل مستمر من خلال الامتناع عن الزواج والإنجاب والزواج المختلط والانصهار في المجتمعات الغربية، لا يمكن الحديث عن متتالية متفائلة. أما المتتالية المتشائمة فقد ورد فيها ما يلي:
في سنة 2025 سيقع الشعب اليهودي في ضائقة تهدّد وجوده، عدد اليهود في العالم يتقلص إلى عشرة ملايين، ستة ملايين منهم يعيشون في إسرائيل. وتزداد نسبة الزواج المختلط ومعظم أبناء العائلات المختلطة لا يهتمون بإقامة علاقة مع اليهودية. وفي إسرائيل يفضّل المجتمع "التطبيع" على الوجود اليهودي، ويتدهور الوضع الأمني، والتكتل الاجتماعي يتفكك. وفي الشتات تتراجع قوة الطوائف اليهودية والتعليم اليهودي، والعلاقة بين الشتات (أي يهود العالم) وإسرائيل، ويتقلص الرأسمال اليهودي الاقتصادي. كما تتعاظم مظاهر اللاسامية ويتزايد عداء العالم الإسلامي تجاه اليهود. وهذا هو السيناريو الذي اعتبر "كابوساً واقعياً".
وقد رأى معظم المشاركين أن الخطر الأكبر الذي يتهدد الشعب اليهودي في العقود القريبة هو ضعف الهوية اليهودية. فالهوية اليهودية تتنافس في سوق كبير من الأفكار والأيديولوجيات المفتوحة أمام كل إنسان. والصعوبة التي تواجه ربط أبناء الشعب اليهودي، وخصوصاً الشبان بينهم، بالهوية اليهودية، تقود مع مرور الوقت إلى ابتعاد هؤلاء عن حياة الجماعة اليهودية، وابتعادهم عن دولة إسرائيل وإلى الزواج المختلط، الذي يقود في جيله الثاني إلى تقليص أعداد اليهود. وعلى سبيل المثال فإن الجماعة اليهودية الأميركية خسرت في العقد الأخير ما بين 300- 500 ألف عضو، وهذا معطى يقلق كل من لهم اهتمام بالموضوع.
ويقول راينهارتس إنه قد "بذلت في السنوات الأخيرة جهود هائلة لتكريس الهوية اليهودية، والبحث عن يهود والاهتمام بأن يبقوا في الطائفة، ولكن النجاحات كانت جزئية".
وبالمناسبة، فإن أزمة الهوية اليهودية قائمة ليس فقط في صفوف يهود الشتات. فالوثيقة التي أعدّها المعهد تشير إلى أن هناك خشية حتى في داخل إسرائيل من ضعف جوهري في الهوية اليهودية، إن ازدادت الأصوات الداعية إلى تحويلها إلى دولة "طبيعية" يتمّ فيها تقليص الاهتمام بالهوية اليهودية لمصلحة الهوية الإسرائيلية.
وما هو الحل إذن؟
وافق معظم المشاركين في اجتماع عصف الأدمغة هذا على أن الحل يكمن في فتح أبواب الشعب اليهودي وتقديم يد العون لأولئك الذين يعيشون اليوم في الهوامش. ويقول أيزنشتات إنه "ينبغي تقليص سقف الدخول للمشاركة في الحياة التنظيمية والدينية اليهودية. وينبغي لنا أن نعمل مع أولئك المرتبطين بشكل ضعيف مع اليهودية، أولئك الذين لم يكونوا بشكل تقليدي جزءاً من الطائفة". وما لم يذكره المجتمعون أن فتح هذه الأبواب يعني إدخال تعديلات جوهرية على العقيدة اليهودية، وتوسيعها مما يؤدي في نهاية الأمر إلى اختفاء ما يسمى الهوية اليهودية. (ولكن هل توجد بالفعل هوية يهودية، أم أن هناك هويات يهودية مختلفة بعدد الجماعات اليهودية المنتشرة في العالم؟).
ويذكر المقال أن الكلمة المركزية التي سمعت بشكل متكرر في الاجتماع هي "المبادرة"، و"ضرورة العمل فورا وبشكل حازم وعبر تجنيد كل القوى"، من أجل إيقاف عملية تناقص الشعب اليهودي. ولكن يهود الولايات المتحدة، كما قال أحد المجتمعين، في حالة تراخٍ، فهم راضون عن أنفسهم بسبب الوهم بأن لهم الكثير من القوة السياسية والاقتصادية، ولا يدركون أنه لم يتبق لهم سوى "نافذة من عدة سنوات" قبل أن يتغير الواقع السياسي الأميركي والقوة السياسية للجماعة اليهودية، فمن المتوقع أن الوضع يتغير بسبب صعود قوة الأق