في كتاب: "الرجل السري: قصة كاشف أسرار ووتر جيت" يكشف الصحفي الأميركي المحنك "بوب وودوارد" الكثير من المعلومات عن شخصية مصدره السري الذي كشف له أسرار فضيحة "ووتر جيت" التي أجبرت الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون على الاستقالة من منصبه في سبعينيات القرن الماضي. ويقول "وودوارد" إنه لم يبادر إلى كتابة هذا الكتاب الذي يميط فيه اللثام عن شخصية مصدره، إلا بعد أن تلقى مكالمة هاتفية من ابنه - ابن المصدر السري- يطلب فيها مقابلته على انفراد ليكشف له أن والده البالغ من العمر السادسة والثمانين، قد أبلغهم أنه هو الرجل الذي قام بتسريب المعلومات التي أدت إلى الكشف عن فضيحة ووتر جيت، وأنه الشخصية التي كان يشار إليها في سجلات الاستخبارات الأميركية طوال تلك السنين باسم "الحنجرة العميقة"، وأنه هو الذي قام على مدى 18 شهرا تقريبا بتسريب الكثير من المعلومات عن التحقيقات التي كانت تدور بشأن ما عرف بعد ذلك بفضيحة "ووتر جيت، لصحفيين شابين كانا في بداية حياتهما الصحفية في ذلك الوقت هما "بوب وودوارد" و"كارل بيرنشتاين". ويقول "وودوارد" إنه كان قد أعد نفسه للحظة التي يقوم فيها "الحنجرة العميقة" بالكشف عن حقيقة شخصيته، وإن كتابه كان جاهزا تقريبا، ولم يكن ينقصه سوى أن يقوم بملء بعض الفراغات. وهو يقول أيضا إنه كان ينوي في الأساس ألا يقوم بكشف النقاب عن شخصية مصدره السري إلا بعد مرور ثلاثين عاما على القضية، ما لم يقم المصدر - من تلقاء نفسه- بالكشف عن هويته. ويقول "وودوارد" كذلك إنه قد تعرض للكثير من الضغوط من قبل شخصيات إعلامية وسياسية من أجل الكشف عن شخصية "الحنجرة العميقة"، وإنه قد رفضها جميعا لأنه - كما يقول- صحفي حريص على الاحتفاظ بسرية مصادره، وإن هذه الصفة تحديداً هي التي شجعت الكثير من الشخصيات المهمة في الحياة السياسية الأميركية على الثقة به، وعلى الإفضاء إليه بمعلومات لا تفضي بها لأحد غيره، وهو ما مكنه بالتالي من اختراق مؤسسات يصعب اختراقها مثل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه"، ووزارة الدفاع "البنتاجون" والبيت الأبيض في عهد إدارتي الرئيسين بيل كلينتون، وجورج بوش.
ويمكن القول إن الكتاب لا يكشف سوى عن بعض المعلومات والتفاصيل التي لا يعرفها القراء عن "فيلت" أو المصدر السري لأن معظم المعلومات المتعلقة بالرجل كان قد تم الكشف عنها بالفعل في الكتاب الذي قام "وودوارد" بتأليفه سابقا عن تلك القضية تحت اسم:"كل رجال الرئيس". وسوف يطالع القراء في هذا الكتاب مثلا تفاصيل اللقاءات السرية التي كانت تتم في مرآب للسيارات في واشنطن في ساعات متأخرة من الليل بين فيلت والصحفي وودوارد، والعلامات التي كانا يتفقان على استخدامها للتعرف على بعضهما بعضاً، مثل قيام "بوب وودوارد" بوضع علم صغير أحمر اللون في أصيص للزهور بشرفة منزله، وكذلك الأسرار التي كان الرجل ينقلها إليه همساً عن أن حياة بعض الأشخاص معرضة للخطر، أو أن الرئيس نيكسون هو الذي يقوم شخصياً بإصدار الأوامر لبعض مساعديه بالتنصت على مقر "الحزب الديمقراطي"، وأن تلك الأوامر يمكن أن تضع الرئيس تحت طائلة العدالة بتهمة سوء استخدام السلطة المخولة له دستورياً. ويقوم "وودوارد" بتكرار الكثير من التفاصيل التي جاءت في كتابه السابق، والتي يعتقد -على ما يبدو- أنها لا زالت تحتفظ بتشويقها وجدتها بعد كل تلك السنين، وخصوصا تلك المتعلقة بالكيفية التي قام بها هو وزميله بكشف النقاب عن الفضيحة بكفاءة ودون لفت انتباه أحد. ومن المعلومات الأخرى التي يقدمها المؤلف عن "فيلت" أنه كان الرجل الثاني في هرم السلطة بمكتب التحقيقات الفيدرالي "إف. بي.آي" في ذلك الوقت، وأنه كان مكروهاً من قبل بعض أفراد طاقم مساعدي نيكسون، بسبب تصديه لمحاولاتهم المستمرة لتنحية اللوائح والقوانين جانباً، وأن الرجل كان يعرف معلومات وأسراراً تزيد بكثير عن تلك التي تم تسجيلها في دفاتر الـ"إف بي آي". ويعود المؤلف في كتابه للفترة التي تعرف فيها على "فيلت"، ويذكر أنه كان ضابطا برتبة ملازم أول في البحرية عندما التقى بالرجل لأول مرة، وأنه بعد هذا اللقاء بثلاث سنوات، وتحديداً عام 1971، تمكن من الالتحاق بالعمل كصحفي في جريدة "واشنطن بوست"، كي يكلفه رئيس تحريرها "بن برادلي" بمهمة تتعلق بتغطية موضوع التحقيق مع خمسة رجال أُلقي القبض عليهم أثناء قيامهم بالتجسس على مكاتب اللجنة الوطنية التابعة للحزب "الديمقراطي"، وهي المهمة التي أسفرت في النهاية عن الكشف عن أسرار فضيحة ووترجيت- كما هو معروف.
بعض القراء سيخرجون بعد قراءتهم لهذا الكتاب بانطباع مؤداه أنه ليس هو الكتاب الذي أراد "بوب وودوارد" كتابته، وأن الاستعجال الذي أحاط بظروف نشره هو الذي حال بينه وبين إخراج الكتاب على النحو المأمول، والذي يليق به كواحد من كبار صحفيي التحقيقات في الولايات المتحدة. فالمعلومات الجديدة التي قام "وودوارد" بكشفها في الكتاب عن "فيلت" لا تضيف الكثير لما كان معروفا عنه من قبل. فالرجل