منذ وفاة البابا يوحنا بولس الثاني وانتخاب الكاردينال رايتسنغر (بنديكت السادس عشر) خلفاً له، وأنا أرصد باهتمام موقف البابا الجديد من الإسلام. وذلك لأمرين أساسيين: الأمر الأول هو أن البابا الراحل أرسى قواعد لاهوتية مهمة للحوار مع المسلمين، واتخذ مبادرات جريئة في الانفتاح عليهم لم يسبقه إليها أحد من البابوات من قبل. وكان في مواقفه ومبادراته ينطلق مما قرره سينودس الفاتيكان الثاني قبل أكثر من أربعين عاماً (1965) من مبادئ عامة تفتح صفحة جديدة مع المؤمنين بالله الواحد وباليوم الآخر.
ففي 21 نوفمبر من عام 1964 أقرّ المجمع الفاتيكاني بموافقة 2151، ومعارضة خمسة فقط من أعضائه، نصاً يقول: "..بيد أن تدبير الخلاص يشمل أيضاً أولئك الذين يؤمنون بالخالق، وأولهم المسلمون الذين يعلنون أنهم على إيمان إبراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد، الرحمن الرحيم، الذي يدين الناس في اليوم الآخر".
وفي 15 أكتوبر 1965 أقرّ المجمع نصاً ثانياً في وثيقة "نوسترا آيتات" بموافقة 1763 ومعارضة 242، يقول: "تنظر الكنيسة أيضاً بتقدير إلى المسلمين الذين يعبدون الله الواحد الحي القيوم، الرحمن القدير الذي خلق السماء والأرض، وكلم الناس الذين يسعون بكل نفوسهم إلى التسليم بأحكام الله وإن خفيت مقاصده، كما سلم لله إبراهيم الذي يفخر الدين الإسلامي بالانتساب إليه. وإنهم، على كونهم لا يعترفون بيسوع إلهاً، يكرمونه نبياً، ويكرمون أمه العذراء مريم، مبتهلين إليها أحياناً بإيمان. ثم إنهم ينتظرون أيضاً يوم الدين الذي يجازي فيه الله جميع الناس بعدما يبعثون أحياء. من أجل هذا يقدرون الحياة الأبدية، ويعبدون الله بالصلاة والصدقة والصوم، خصوصاً".
أما الأمر الثاني فهو أنه كانت للبابا الجديد عندما كان يترأس مجلس العقيدة مواقف سلبية ليس فقط من الإسلام إنما من المسيحية الارثوذكسية ومن المسيحية الإنجيلية على حد سواء. وكان أصدر وثيقة رسمية في ذلك تعرّضت في حينه إلى انتقادات من المجالس الكنسية الإنجيلية خاصة في الولايات المتحدة، ومن الكنائس الأرثوذكسية وخاصة في الاتحاد الروسي.
مع ذلك فإن أبرز ما تضمّنه خطاب تنصيبه على كرسي بطرس كان تأكيده الالتزام بمواصلة مسيرة البابا الراحل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بما اتسم به من روحانية سامية ومن مشاعر إنسانية نبيلة، تمثلت في مبادرات ومواقف كانت موضع تقدير واحترام وإعجاب، في العالم المسيحي وفي العالم الإسلامي على حد سواء. وبالفعل فقد دعا البابا بنديكت السادس عشر ممثلين عن الكنائس الإنجيلية والأرثوذكسية وعن المسلمين لحضور احتفال تنصيبه.
أما الإطلالة الأولى للبابا الجديد على الإسلام فقد جاءت في مدينة كولونيا في ألمانيا (مسقط رأسه) مع مسلمين أتراك من الذين استوطنوا ألمانيا وأصبحوا من رعاياها. وترافقت هذه الإطلالة مع إطلالتين له على اليهود وعلى المسيحيين الإنجيليين، الأمر الذي يرسم الإطار العام لموقف الفاتيكان الجديد من غير الكاثوليك.
الإطلالة على اليهود حدثت في كنيس يهودي أُعيد بناؤه بعد أن دمّره النازيون، مما يعطي هذه الزيارة بعداً رمزياً استثنائياً. وكان البابا بنديكت السادس عشر، ثاني بابا في تاريخ الكاثوليكية بعد يوحنا بولس الثاني، يزور كنيساً يهودياً (في روما).
أما الإطلالة على الإنجيليين وعلى المسلمين، فحدثت في مقرّ إقامته؛ أي أنها لم تحدث لا في كنيسة إنجيلية ولا في مسجد إسلامي. وهنا لابد من التذكير بأن البابا الراحل زار مسجد بني أمية في دمشق واجتمع فيه إلى مفتي سوريا الراحل الشيخ كفتارو، وكان أول بابا يزور مسجداً ويصلي بخشوع أمام ضريح النبي يحيى الذي يسميه المسيحيون القديس يوحنا المعمدان.
هذا في الشكل. والشكل في العلاقات بين أهل الأديان مهم في ذاته. وهو بوابة الدخول إلى الجوهر. أما في الجوهر فإن البابا أكد على أمرين أساسيين:
الأمر الأول هو التأكيد على أهمية وعلى ضرورة الحوار الإسلامي - المسيحي. وفي هذا الإطار دعا إلى الدفاع عن حرية الاعتقاد الديني وإلى احترام حقوق الأقليات. وهذه الدعوة جديرة بكل اهتمام ليس فقط لأنها صادرة عن البابا، وعن هذا البابا بالذات، ولكن لأنها أُعلنت في ألمانيا - قلب أوروبا - حيث يتزايد القلق من ظاهرة انتعاش اللاسامية من جديد، ليس فقط تجاه اليهود، وإنما تجاه الأجانب عامة والمسلمين خاصة. وفي إطار هذه الدعوة أكد البابا على وجوب " تجاوز الحقد والتحيز والطائفية ورفض الآخر".
ويبدو البابا بنديكت السادس عشر الذي ندد بشدة بظاهرة الإرهاب وكأنه أراد من خلال هذه الدعوة تحديد أسباب هذه الظاهرة اللاإنسانية المدمرة والتي تتعارض -كما قال - مع "الحق المقدس في الحياة".
أما الأمر الثاني الذي أكد عليه البابا فهو أن العمليات الإرهابية تستهدف تسميم العلاقات الإسلامية - المسيحية، ولذلك فإن إدانة الإرهاب وحدها لا تكفي.
لقد جدد البابا ما ذكرته الكنيسة الكاثوليكية من قبل من أن العلاقات مع المسلمين لم تتسم دائماً بالاحترام