"الآن يبدو أن أميركا أصبحت جاهزة للتراجع عن مواقفها بمساعدة العراقيين لإيجاد كيان هو عبارة عن منارة للحرية والتعايش والديمقراطية في الشرق الأوسط. علينا أن نرى ما إذا بات البيت الأبيض متلهفاً لعذر، ليعلن انتصاره ولو بموافقته على أوتقراطية على شاكلة الأوتقراطية الإيرانية في العراق". من افتتاحية صحيفة "النيويورك تايمز" يوم الثلاثاء الماضي.
أحد الأسباب التي قدمتها إدارة بوش عقب غزو العراق بتحريض وتشجيع من "المحافظين الجدد"، بعد فشل الحجج السابقة بوجود أسلحة دمار شامل وارتباط نظام صدام حسين مع "القاعدة"، هو جعل العراق منطلقاً للديمقراطية ومنارة وعنصر جذب لنشر الديمقراطية في العالم العربي حتى لا تفرخ منطقتنا الإرهابيين، الذين يخطفون ويفجرون الطائرات في المدن الأميركية.
حتى هذه الحجة باتت واهية يفضحها الموقف الأميركي والتدخل الواضح من السفير الأميركي الأفغاني الأصل، مهندس دستور أفغانستان، وضغطه على الأطراف المختلفة، وتقديم عامل الوقت، والخروج بأي دستور. ودع عنك أن يكون العراق نموذجاً ومثالاً يُحتذى في العالم العربي.
ما حدث هذا الأسبوع بإصرار أميركي على أن يخرج دستور عراقي يلبي رغبات وآمال الشيعة والأكراد على حساب السُنة، يؤسس لمرحلة من اللااستقرار ومشروع تفكيك وتفتيت العراق بزرع هذه البذرة.
صياغة الدستور في أي دولة ليست بالأمر اليسير، فالدستور أهم وثيقة والقانون الأعلى للدولة، فما بالنا بدولة كالعراق هي عبارة عن "موزاييك" من أعراق وأجناس وأديان وطوائف. وعلى مدى ثمانين عاماً من نشأة العراق ككيان، منذ أن ضم الولايات الثلاث الموصل وبغداد والبصرة، لم تنجح الأنظمة المتعاقبة في أن تجعل من العراق أمة، بل بقي العراق عصبيات وأمماً. وجاء "البعث" بعصبيته وديكتاتوريته ليطمس ويحتوي هذه الخلافات. أما اليوم، فكما يقول المثل الإنجليزي: "المارد خرج إلى الوجود".
يبدو أن أميركا مقتنعة بأن الشيعة بأغلبيتهم سيسعون إلى مساواتهم بالأكراد الذين يتمتعون بحكم ذاتي في إقليمهم منذ 1991، وكذلك كانت حسابات أميركا خاطئة، بأن الشيعة كأكثرية سيمارسون دوراً مسؤولاً يبقيهم ضمن الدائرة العقلانية، فكان التقارب العراقي- الإيراني قوياً ولافتا، فيما تُرك السنة لشأنهم، ما شجع أميركا على أن تلعب دوراً في تقبل سيادة للأكراد. كما شجع الشيعة وعلى لسان عبدالعزيز الحكيم رئيس "التحالف العراقي الموحد" و"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" في العراق على المطالبة علناً بإقليم فيدرالي يشمل 9 محافظات في الجنوب والوسط، مما يؤسس لبذرة الانفصال وبتأثير كبير ودعم أكبر من إيران وعلى حدود السعودية والكويت يبدأ تأسيس دولة شيعية جديدة بموارد نفطية كبيرة، ودولة كردية في الشمال تثير مخاوف إيران وتركيا وسوريا. ويُترك السنة بلا دخل ولا نفط في صحراء الأنبار.
عقدة أميركا تكمن في استعجالها في إصدار الدستور الذي سيخفف من دائرة العنف في العراق ليساعدها في جدولة الانسحاب العسكري خلال العام القادم.
على أميركا إذا أرادت عراقاً مستقراً أن تدعم مطالب العرب السُنة الذين يرفضون الدستور لخروجه عن التوافق ولإصراره على الفيدرالية ولحذف فقرة "العراق وحدة واحدة لا يمكن تجزئتها" وهي مطالب محقة لطمأنتهم. كذلك يجب تلبية مطالب الشيعة الفقراء في ضواحي بغداد "أتباع الصدر"، والشيعة العلمانيين "جماعة علاوي وغيرهم"، والنساء اللواتي يخشين من فقدان بعض الحقوق في الدستور الجديد، وإلا فإن هذا الدستور سيتم إسقاطه في الاستفتاء الشعبي المقرر في أكتوبر القادم.
وهكذا يعود العراق إلى المربع الأول وعندها لن تقتصر الأضرار على العراق ولكن ستشمل المنطقة ككل، وستطال أميركا وبرنامجها وأجندتها في منطقة الشرق الأوسط برمتها.