كلما تناهت إلى سمعي المجريات الحاصلة في عالمنا اليوم، أتحسّر على الانحدار الاجتماعي الذي وصلنا إليه، وعلى التطرّف الفكري الذي توغّل بين صفوف شبابنا، وأزفر زفرة طويلة، معبّرة من خلالها، عن مدى ألمي للحالة المزرية التي وصلت إليها سمعتنا كعرب ومسلمين، والنظرة الدونية التي غدا الغرب ينظر بها إلينا، بأننا أمة ترفض فكرة التعايش مع الآخرين، وتسعى دوما إلى دمار المجتمعات المخالفة لعقيدتها وتوجهاتها.
هذه الأفكار الغريبة، التي تفشّت في مجتمعاتنا العربية في العقود الأخيرة، ساهمت في تعزيز الصورة الخاطئة التي رسمها الغرب عنا. فمن خلال إقامتي الدائمة، في السنوات الأخيرة بلندن، قابلت أناساً كثيرين، من مختلف المذاهب والأديان، وأذكر أنني التقيتُ بامرأة منغولية، أتت السيرة معها على جنكيز خان، وقد قالت لي بقناعة: إن هذا الرجل قد دخل بلاد العرب لهدف نبيل، في وضع حد للاضطرابات، وللقضاء على الفتن والقلاقل، التي كانت تعصف بأرض العرب حينها، وعبثاً حاولت إفهامها أن المسألة لم تكن متعلقة بتثبيت دعائم أمن، أو لتحقيق سلام، وإنما كانت تحمل في مضمونها أطماعاً توسعية، ما زالت متواجدة إلى اليوم في أوطاننا العربية وإن نهجت أساليب أخرى!
قلتُ لها إن تاريخنا يحمل في طياته، صورة بشعة عن هذا القائد، الذي كان له دور سلبي في القضاء على جزء كبير من تراثنا الفكري الإسلامي.
لم يفلح دفاعي في تغيير وجهة نظرها، لكنني لم أحاول وضع اللوم على هذه المرأة، وأرفض صب جام غضبي على الغرب، فيما يُسطره من تحريفات، خاصة في تبريراته لاستعمار بلداننا العربية قرونا طويلة، أو في قيام فئات منه بالحط من قدر حضارتنا الإسلامية، كون التاريخ الذي لا يحترمه أصحابه، بالتأكيد لا يحترمه الغرباء! كذلك خرجت بقناعة، هي أن التاريخ في كل بلاد العالم بلا استثناء، يكتبه مؤرخون متعصبون لسياسات بلادهم، مما جعل كتب التاريخ تفتقد للكثير من عنصر النزاهة!
من عادتي الذهاب إلى متحف كل بلد أدلف إليه، وأحرص بين فينة وأخرى بحكم إقامتي في لندن، على الذهاب إلى المتحف البريطاني لمتابعة جديده، وقد شعرت في بداية الأمر بالزهو وأنا أتجوّل في الجناح الإسلامي، ولهذا الكم من الآثار الإسلامية العريقة التي خلّفها أجدادنا، لكنني أشعر اليوم بالأسى لأننا لم نحاول جدّيا كعرب ومسلمين، تبييض صفحة وجوهنا التي شوهتها بعض الفئات المتطرفة في مجتمعاتنا، والتي أدت إلى أن ينظر الغرب إلينا بتحفّز، ومراقبة تصرفاتنا بحذر.
ما أثلج صدري مؤخراً، قيام أحد رجال الأعمال العرب، بالتبرّع بمبلغ كبير لإنشاء جناح للفنون الإسلامية في متحف اللوفر بباريس، لكي يتم التعريف بالمعنى الحقيقي للإسلام، وتعزيز الفهم بين الحضارتين العربية والغربية، وإبراز دور الإسلام في الارتقاء بالإنسانية على مر العصور.
أتمنى أن تكون هذه البداية الفعلية لمزيد من الخطوات الجادة، من الأثرياء العرب والمسلمين لتعزيز رسالة الإسلام، حيث تُعتبر الثقافة التي يندرج تحتها الإعلام بكافة وسائله، والفنون على مختلف أنواعها، أدواراً مهمة في الترويج لفكرة، أو في إيصال هدف معين، وهو ما نحتاجه في هذه المرحلة الخطرة التي يمر بها ديننا.
شكراً لكل يد تفكر في المساهمة في تحسين صورتنا، وفي إبراز إنجازات تاريخنا الحضاري المستنير، الذي للأسف لحق به التشويه، ليس فقط على أيدي الغرباء وإنما تكالبت عليه ثلة من أبنائنا!.