في تاريخ سابق من هذا الشهر، سرب مسؤولو إدارة بوش للصحافة ما وصفوه بأنه تقييم رسمي جديد للإجابة على سؤال: متى يمكن لإيران أن تصبح قادرة على تصنيع سلاح نووي؟. وقال هؤلاء المسؤولون للصحفيين إن وكالات الاستخبارات المركزية الأميركية تعتقد حاليا أن الأمر سيستغرق ما بين ست إلى عشر سنوات قبل أن يأتي هذا اليوم المشؤوم.
يمكننا الآن أن نتنفس الصعداء بل ونسترخي كذلك بعد أن كنا قلقين من التقييم السابق الذي كان يقدر هذه المدة بخمس سنوات فقط. هل يمكننا ذلك؟
لا بالطبع. فالحقيقة هي أن التقييم الأخير يجب أن ينبهنا بدلا من أن يجعلنا نميل للاسترخاء. علينا أن نتذكر مثلا أن وكالات الاستخبارات المركزية الأميركية بأكملها لم تنتبه إلى وجود الأجهزة الضخمة التي كان يحوزها صدام لتصنيع اليورانيوم اللازم لتصنيع أسلحة نووية إلا قبل حرب الخليج 1991. بعد ذلك، وفي رد فعل مبالغ فيه على تلك الغلطة قررت تلك الوكالات خطأ أن العراق كانت لديه أسلحة للدمار الشامل قبل غزو عام 2003. وما يبدو الآن هو أن تلك الاستخبارات تبالغ في رد الفعل على مبالغتها السابقة في رد الفعل عندما تقوم بالتقليل من قدر التهديد الذي تمثله إيران.
ما الذي يجب على إيران أن تفعله كي تقوم بتصنيع قنبلة؟ الحقيقة هي أن إيران قد بدأت هذا الشهر في إجراء جزء جوهري من تلك العملية، وذلك عندما استأنفت تحويل 37 طنا من اليورانيوم الطبيعي إلى غاز يمكن استخدامه لتغذية أجهزة الطرد المركزي الموجودة لديها. وهذه الكمية من اليورانيوم التي ستكون جاهزة للتخصيب خلال شهر تقريبا ستكون كافية لتصنيع ما بين ست إلى تسع قنابل.
لكن، لماذا تعتقد الإدارة الأميركية أن الأمر سيتطلب 10 سنوات كاملة قبل أن يمكن تصنيع تلك المادة؟ يرجع السبب في ذلك إلى أن الإدارة تفترض أن آلات الطرد المركزي الإيراني من نوعية رديئة، وإن العلماء الإيرانيين قد يواجهون متاعب في توصيلها بالجهاز المعروف باسم "الشلال" وهو الجهاز الذي يجب أن يتدفق اليورانيوم بداخله من أحد أجهزة الطرد المركزي للجهاز الذي يليه.
وفي الحقيقة أن هذا التنبؤ يضع معظم الأدلة المتاحة في هذا الشأن موضع الشك.
أولا، قال لي مسؤول بالوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تقوم بمراقبة كافة تفاصيل التقدم النووي الإيراني إن وكالته واثقة من أن الإيرانيين قادرون على إنتاج أجهزة طرد مركزي من نوعية جيدة. وعلاوة على ذلك فإنه من الأمور المعروفة أن المسؤولين في هذه الوكالة على علم بأن إيران قد قامت ببناء سلسلة من الورش كجزء من خطة لإنتاج 50 ألف جهاز طرد مركزي بمعدل إنتاج مفترض يبلغ عدة آلاف في السنة الواحدة.
من غير المنطقي أن نقوم بافتراض أن إيران لن تكون قادرة - بعد أن قررت القيام بجهد منظم في هذا الشأن- على تجميع 2000 جهاز "شلال" خلال عام. ويذكر في هذا السياق أن العلماء الإيرانيين قد قاموا بتخصيب كمية ضئيلة من اليورانيوم في جهاز "شلال" تجريبي في شركة تعرف باسم "شركة كالايي الكهربائية" وذلك في عملية سرية جرت في طهران ولم يتسن للوكالة الدولية للطاقة الذرية اكتشافها قبل عام 2003.
بعد قيام جهاز "الشلال" بالعمل لعام كامل، ستكون لدى إيران كمية من اليورانيوم عالي التخصيب، تكفي لإنتاج قنبلة نووية، بل ومن الممكن أيضا أن تكون قد تمكنت أيضا من تصنيع وتشغيل 2000 جهاز طرد مركزي إضافي. وإذا ما استمرت إيران على هذه الوتيرة فإنها ستكون قادرة بعد ثلاث سنوات على إنتاج كميات إضافية من اليورانيوم عالي التخصيب تكفي لتصنيع ثلاث قنابل نووية، وتكفي لتصنيع ست قنابل بعد أربع سنوات. هذا هو نمط التقديرات الحسابية التي كان الخبراء في المعامل الحكومية الأميركية يقومون بإجرائها لفترة طويلة من الوقت والذين قال أحدهم إنه وزملاءه مذهولون من تقديرات الإدارة التي تقول إن إيران سوف تحتاج إلى ما بين 6 -10 سنوات لتصنيع قنبلة نووية.
وإذا ما أخذنا الأسلوب الإيراني في التعامل مع الوكالة في الحسبان، فسوف نواجه أيضا بمشكلة الأشياء التي لا نعرفها حول هذا البرنامج. فمن الممكن جدا مثلا أن تكون لدى إيران وحدات طرد مركزي أو مختبرات لا ندري عنها شيئا، خصوصا وأنها قد نجحت في إخفاء حقيقة أنها تعمل على تخصيب اليورانيوم عن المفتشين الذين لم يكتشفوا ذلك إلا عندما قاموا بزيارة موقع "ناتانز" عام 2003. علاوة على ذلك تحول إيران بين مفتشي الوكالة وبين متابعة عملهم في موقع آخر وهو "مجمع بارشين العسكري" بالقرب من العاصمة طهران الذي يشك الكثيرون في أنه يستخدم للعمل على الأجزاء غير النووية من السلاح النووي.
وهناك أيضا احتمال لأن تكون إيران قد حصلت على رسومات تحتوي على تصميم لقنبلة نووية كاملة وكيفية تصنيعها، من عالم الذرة الباكستاني سيئ الصيت عبدالقدير خان، والذي تفيد تقارير الاستخبارات أنه قد باع صفقات من تقنية أجهزة الطرد المركزي لإيران وليبيا في تسعينيات القرن الماضي، وأنه قام بمنح ليبيا تصميم القنبلة مجانا.. فما الذي يمنعه م